سمعت بالصدق وما وعد الله به الصادقين من حسن المثوبة وجزيل الأجر.. وسمعت بالكذب.. وما أعد الله للكاذبين من سوء العذاب وأثيم العقاب.. وقرأت ما كتبه حكماء الأمم من عهد آدم إلى اليوم.. وإجماعهم أن الصدق فضيلة الفضائل والأصل الذي تتفرع عنه جميع الأخلاق الشريفة.. والصفات الكريمة.. وإنه ما تمسك به متمسك إلا كان النجاح في أعماله ألصق به من ظله.. وأعلق به من نفسه. سمعت هذا وقرأت ذاك فلم يبق في نفسي ريب في أن ما أنا مرزوء به في حظي من الشقاء، وعيشي من الضنك، وحياتي من الهموم والأكدار، إنما جرّه على شؤم الكذب، وإن ما كنت أتخيله قبل اليوم من أن هناك مواقف يكون فيها الكذب أنفع من الصدق وأسلم عاقبة، إنما هو ضرب من ضروب الوهم الباطل.. ونزعة من نزعات الشيطان، فعاهدت الله ونفسي إلا أكذب ما حييت، وأعددت لذلك القسم العظيم عدّته من شجاعة نفس وقوة عزيمة بعد ما وجهت وجهي إلى الله تعالى وسألته أن يمدني بمعونته ونصره..»
مصطفى لطفي المنفلوطي