Al Jazirah NewsPaper Saturday  31/07/2010 G Issue 13820
السبت 19 شعبان 1431   العدد  13820
 
دعوة عمر بن الخطاب الرياضية: علِّموا الأجيال الرياضة
الخليفة الراشد دعا إلى (تعليم) الرياضة تجاوزاً لـ(فطرية) علاقة الإنسان بالرياضة
تركي ناصر السديري

 

يقول عمر بن الخطاب:

(علِّموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل، ومروهم فيثبوا على الخيل وثباً).

هذا النص التاريخي الهام ينسب خطأً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما هو للخليفة الراشد عمر بن الخطاب، حيث يذكر ذلك أسامة بن زيد أن عمر كتب إلى أهل الشام: (علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل)، وهو نص يحمل قيمة عميقة تمس جوهر الرياضة، وأهمية ممارستها للفرد والمجتمع، جدير أن نتدبره، ونتجلى معانيه نحن المعاصرون الآن في هذه الألفية الجديدة، تحديداً المجتمع العربي المسلم المعاصر، وتحديد التحديد نحن مجتمع جزيرة العرب السعودية، مجتمع وطننا الطاهر: المملكة العربية السعودية.

فعمر بن الخطاب تبصّر أهمية الرياضة للإنسان، وحاجته لها، وأثر منفعتها عليه.

وسأحاول أن أنثر ما استطعت إدراكه، مجتهداً في تأمل النص العمري الهام، والذي أتمنى على كل الرياضيين فعل التأمل والتدبر، وتجلي غايته ودلالته، لما فيه من عون على تأسيس وجود وتواجد رياضي نافع في مجتمعنا الراهن، الأحوج لذلك بعد حالة (التأزم) و(التزمت) التي فعلتها حقبة (الصحوة) الكاره والمكروه، للرياضة وبالرياضة، والتي تتأكد حقيقتها وتتجلى في غياب الممارسة والروح الرياضية في المدرسة والشارع، ومدرجات الملاعب، وأيضاً في غياب فعالية الترويح في أعيادنا ومناسباتنا الاجتماعية، ووأد الفرائحية في وجدان الناموس المعاشي الحياتي لدى الفرد والمجتمع ككل .. هكذا ألمس.

إذاً، لنتأمل هذا القول ونتدبره، ونتجلى كوامنه .. وسأجتهد وفق طاقتي المعرفية، في تدوين ملاحظات مجتهدة لفهم غايات هذا النص التاريخي، الذي أظنه أهم ما يحفظه تراثنا العربي والإسلامي عن قيمة «الرياضة» وأهميتها للفرد والمجتمع في مجتمعات حقبة الزمان والمكان الذي كان لعمر له فيه ارتباط ومسؤولية وأمانة.

أول ما يمكنني أن أجعله (الملاحظة الأولى): أن عمر اختار كلمة (علِّموا)، ولم يقل (لعّبوا) أو (هيئوا)، أو (حثوا) .. إلى آخر صيغ الترغيب والتحفيز.

و(علِّموا) فعل أمر، مصدره (علم) من (العلم) وهو نقيض (الجهل)، وهو هنا (أمر) يتجاوز تهيئة وتوفير سبل ممارسة الرياضة للأفراد - فحسب - إنما يتجاوزه إلى (واجب).. (تعليم) الرياضة، أي إتقانها وامتلاك اقتدارية ممارستها بطريقة ووسيلة صحيحة وممكنة.

إذاً .. عمر بن الخطاب الخليفة يؤسس لتواجدية (ثقافة الرياضة) في المجتمع من خلال تأسيس علمي تربوي، يرتقي بقيمة الرياضة وسموها من خلال اكتساب ممارستها، ويتم ذلك من خلال التعلم، لا أن تكون - فقط - رهينة مستجيبة لنوازع الفطرة، أو لمؤثرات تقليد الآخرين في اللعب والترفيه، وتحقيق اللياقة البدنية.

ومتى ما تم تجاوز نوازع الفطرة في تكوين العلاقة ما بين الفرد والممارسة الحركية، وانتقل الأمر إلى مرحلة تكوين العلاقة من خلال (الاكتساب) أي (تعلم) ممارسة اللعبة الحركية، فهنا نطلق على هذه الممارسة بالممارسة (الرياضية)، وهي الممارسة المتجاوزة للممارسة (الفطرية الحركية).

في هذا النص العمري، وعياً بقيمة (تعلم) ممارسة الحركة الأدائية، وبالتالي إدراك ناضج لأهمية نقل الممارسة الحركية (الفطرية، وتطويرها) إلى ممارسة حركية (رياضية) من خلال (تعلم) ممارستها، وفي ذلك ارتقاء في علاقة الإنسان بممارسة الحركة الأدائية البدنية المتروكة لفطرة الإنسان ونوازعه أو لدافع نخبوي يفرضه ويوجده الظرف والمسبب القبائلي أو الديني، أو العسكري أو حتى نوازع الانبهار والتقليد والمحاكاة للمتفوق الآخر، وليس نتيجة حاجة ومردود لياقي ترويحي تحتمه (ثقافة الرياضة) عند المجتمع عندما يدرك قيمة وأهمية الممارسة الحركية الرياضية للفرد والمجتمع.

نظرية الاجتماع الرياضي تؤكد الآن من خلال علماء الاجتماع الرياضي وعلوم الحركة الحديثين ك(فندر زواج) و(ولمبكين) و(نايكسون) و(كنيون) وغيرهم، تؤكد هذه النظريات على أن الحركة هي الأصل للرياضة وفقاً للأصول الفينومينولوجية (الظاهراتية)، لذا فإنّ (الرياضة) ليست فقط نشاطاً بدنياً حركياً، إنما هي (علم) (وفن) حركة الإنسان الإرادية الهادفة، إنها - أي الرياضة - ليست تربية البدن والأجسام واللحوم، فالرياضة تربي الفرد من خلال قيم الرياضة وآدابها، وذلك ما وعته وأدركته دعوة عمر بن الخطاب المؤسس المبكر لعلاقة أكثر تطوراً ما بين الإنسان والممارسة الحركية الأدائية، حين دشن دعوة ممارسة المجتمع للرياضة من خلال التعلم وتجاوز الفعل والنتيجة الفطرية..

يكفي أن تكون الرياضة وسيلة لتحقيق تواجدية الإنسان المستقر، والمجتمع المستقر، مما يعين على حياة منتجة وآمنة ومتآخية متآلفة، وليس أكثر من وعاء، الرياضة قدرة على أن يفعل تحقيقه بين أفراد المجتمع من أية وسيلة ومؤثر آخر.

إذاً .. يدرك عمر بن الخطاب قيمة وأهمية شيوع (ثقافة الرياضة) لاستقرار وإنتاجية أي مجتمع، وهذه الثقافة المجتمعية لا تتحقق إلا من خلال (تعليم) الرياضة ممارسةً وعلاقة للفرد والمجتمع(2) لا أن تترك لهوى ونوازع وصيرورة التطور الفطري في تكوين علاقة الفرد والمجتمع مع النشاط الرياضي ممارسة وغاية.

ملاحظة (2)

استخدم النص كلمة (أولادكم)، وأولادكم .. صيغة جمع، مفردها (ولد)، وفي قواميس اللغة - هذا مهم جداً - تعني كلمة (ولد): (أي مولود أياً كان وهو يقع على الذكر والأنثى)، (وقد أجمعوا فقالوا .. أولاد) (2).

إذاً .. تعني (أولادكم) الذكور والإناث، أبناء وبنات، وليس كما يظن المعتمد على الفهم اللغوي الدارج لدى الكثيرين منا من أن كلمة (أولاد) تقتصر على النوع الذكوري وحده، فلو كان قصد ومقصد عمر بن الخطاب في دعوته لتعليم الرياضة موجهاً فقط للذكور لاستخدم كلمة (الوِلْدَهُ) وهو الضليع في اللغة، و(الوِلْدَهُ) هي جمع الأولاد للذكور(3)، وكان يكفي الخليفة الراشد الحصيف أن يحسم القصد والمقصد لو كان يقصد في دعوته الذكور من الأولاد لاختار كلمة (غلمانكم، فتيانكم) مثلاً.

ملاحظة (3)

انتقى النص .. (السباحة) و(الرماية) و(ركوب الخيل) من بين أنواع الألعاب والمناشط الرياضية التي يدعو أن يمارسها أولاد المجتمع ذكوراً وإناثاً.

لماذا ذكر عمر (السباحة والرماية وركوب الخيل) تحديداً؟

بدايةً لابد أن نفطن إلى أنّ ذكر الألعاب الرياضية الثلاثة هو على سبيل المثال وليس الحصر، فالنص الخطابي لا يحتمل ذكر كل الألعاب والمناشط الرياضية، وليس غايته تعدادها أو تفضيلها أو الاقتصار على ما يذكر، فغاية النص الرئيسة (الحث) على (ممارسة) الرياضة بمختلف تكويناتها: (الفردية والجماعية)، (الفطرية، والمكتسبة)، (الجزئية، والكلية)، (اللعبة الرياضية، والنشاط الرياضي)، (الرياضة التنافسية، والرياضة الروحية)، (الرياضة الأحادية، والرياضة المشتركة)، (الرياضة المتجانسة، والرياضة المتضادة)، (الرياضة الشعبية، والرياضة النخبوية)، (الرياضة القوية، والرياضة الضعيفة)، (الرياضة المكلفة، والرياضة اليسيرة)، إلخ .... تكوينات الألعاب الرياضية، والتي تتواجد كثيراً من قواسمها المشتركة في الألعاب الثلاثة التي ذكرها عمر بن الخطاب (السباحة، الرماية، وركوب الخيل)، وكأنما يريد أن يقول لنا: (مارسوا كل أنواع الرياضة بمختلف تكويناتها حسب الاستطاعة والقدرة والتوافر)، وهو ما ستحاول أن تستعرضه الملاحظات التالية:

ملاحظة (4)

عندما ذكر عمر بن الخطاب في دعوته لتعليم الأجيال الرياضة، رياضة (السباحة) و(الرماية) فلكونهما لعبتين رياضيتين تحملان أكثر العناصر المختلفة لتكوينات معظم ألعاب الرياضية، ف (السباحة) و(الرماية) من ألعاب الرياضة (المكتسبة)، أي تحتاج إلى تعلُّم ممارستها، ف (السباحة) تحتاج إلى اكتساب، أي إجادة العوم، ولابد لمن يريد أن يمارس السباحة أن يعرف كيف يعوم، كيف يسبح، يتقن الحد الأدنى من مهارة السباحة التي تعينه على ممارستها وتحقيق منافعها اللياقية والصحية والترويحية عليه.

وهذا لا يتأتى إلا من خلال (تعلُّم) السباحة، ومثل السباحة .. عدد غير محدود من ألعاب ومناشط الرياضة التي يجب أن (تكتسب)، أي لابد أن (يتعلم) الفرد ممارستها.

وهناك ألعاب فطرية، يمارسها الإنسان ولا يحتاج إلى اكتسابها، وهي كالركض، القذف، الحمل، القفز، التسلق، الوثب، فهي نشاطات حركية فطرية لا تحتاج إلى إتقان للتمكن من ممارستها الترويحية، فهي فطرية التكوين الأدائي وتستلزم في مراحل ممارستها الأدائية المتطورة، كألعاب حديثة كما هي عليه الآن إلى ضرورة (اكتساب) مهارة إتقان ممارستها التنافسية، وهذا لا يتأتى إلا من خلال (تعلُّم) ذلك، أي بالتدريب وامتلاك شروط كل لعبة اللياقة البدنية والمهارية الأدائية، وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا من خلال التعليم، أي التدريب الرياضي.

إذاً عمر، بذكره (السباحة والرماية) إنما قصد التفريق ما بين الألعاب (الفطرية) والأخرى (الألعاب المكتسبة) التي لا تحتاج إلى جهد (التعلُّم) لممارستها.

ملاحظة (5)

(السباحة) .. ممارسة رياضية (تحتاج) إلى ظرف (مكان وزمان)، و(الرماية) .. (لا تحتاج) إلى ظرف (مكان ولا زمان).

فإن كنت على شاطئ بحر أو نهر أو تواجد لك المسبح .. يمكن للفرد أن يسبح، هذه بديهة اشتراطية تجعل من (السباحة) ممارسة رياضية يرتبط فعلها بتواجد وسيلتها، أي بوجود العناصر الرئيسة لأي لعبة رياضية (الفرد، وسيلة اللعب، نظام اللعب) .. وهو هنا (الوسيلة)، أي الوعاء المائي المتمثل في البحر، النهر، المسبح .. تماماً كركوب الخيل، لا يمكن أن تمارسها دون توافر (جواد)، ولذا فإنه لا سباحة بدون مسبح الماء .. مثلاً.

كذلك تصعب ممارسة السباحة في ظرف الطقس البارد القارص .. مثلاً، وهو ما يعني - هنا - ظرف الزمان، أي أن لعبة رياضية كالسباحة ضعيفة المرونة بمقاييس قانون العرض والطلب الاقتصادي، فهي لعبة لا يمكن أن تلعب إلا بتوافر شرط زماني ومكاني، بعكس لعبة (الرماية) .. التي ممارستها في كل زمان ومكان، فممارستها لا توجب تواجد ظرف المكان التضاريسي، ولا حتى الزماني، فهي لعبة رياضية لا تحتاج لضرورة توافر المكان كما هو الحال بالنسبة للسباحة، فيمكن أن تمارس متى ما أراد الفرد ذلك، طالما توافرت له أدواتها اليسيرة مقارنة بالسباحة، في مكان ليس في بحر ولا نهر ولا مسبح .. مثلاً في مكان صحراوي، فإن الأمر هنا يستلزم إنشاء مسبح أولاً، وهو ما يحتاج لوقت زماني طويل، تأكيداً أطول وأكلف وأصعب من توافر عنصر (وسيلة اللعب) للعبة أخرى .. كالرماية أو المصارعة أو القفز أو مسابقات العدو أو لعب الكرة - أيضاً - بعكس (السباحة) يمكن أن تلعب شتاءً وصيفاً، سفراً وإقامة، في الصحراء وعلى الشاطئ، في المنزل وخارجه.

إذاً .. اختيار عمر بن الخطاب ل(السباحة) و(الرماية) لم يكن هكذا لمجرد الذِّكر والمثال، إنما القصد التأكيد على ممارسة (كل) أنواع وألوان الألعاب الرياضية .. في كل زمان ومكان، ولكل ألعاب ومناشط الرياضة (اليسيرة) التوافر، (والمكلفة) التوافر، وذات الشرط المكاني الزماني، وتلك التي لا تحتاج لذلك .. باختصار تعلُّم ممارسة الرياضة .. جميعاً حسب قدره واستعداد وميل الفرد لأية لعبة رياضية..

ملاحظة (6)

ممارسة لعبة رياضية ك(السباحة) أو (الرماية) .. تعود منافعها البدنية واللياقية والنفسية والصحية والترويحية على ممارسها وحده، لا يشاركه فيها أحد .. فممارسة السباحة ممكنة للفرد لوحده لا يحتاج ولا يتوقف شرط ممارسته على وجود آخر أو آخرين غيره، كأنواع أخرى من الألعاب والمناشط الرياضية ثنائية أو متعددة التكوين كالمصارعة أو المبارزة أو الطائرة، أو الملاكمة أو التنس، إلخ ....، الألعاب الرياضية التي لا تكتمل شرطية ممارستها دون طرف آخر أو أكثر.

صحيح أن السباحة ممارسة فردية، إلا أنها جماعية التواجد، فالسبّاح يمارس السباحة انفرادياً للطبيعة الأدائية البدنية لها، إلا أنه في نفس الوقت مشارك لآخرين في الوعاء المكاني الحاضن - هذا المسبح - حيث لا تتوقف ممارسته السباحة ضرورة ممارسة آخر أو آخرين للسباحة، فالمسبح مساحة مشاعة للسباحين، وهو ما يكسب السباحة ميزة المشاركة الجماعية المستقلة، فالسباحون يحتويهم مكان واحد، فيما ممارستهم مستقلة أدائياً، لا تتوقف أدائية السباحة في المسبح على أداء الغير كما هو بالنسبة للألعاب الجماعية ككرة القدم أو السلة.

ولأنه تفرّعت من السباحة نشاطات وألعاب ترويحية وتنافسية تعتمد على السباحة مكاناًُ وشكلاً أدائياً، أعطى ذلك السباحة تكوين اللعبة الرياضية الجماعية، كما هو الحال بالنسبة لمسابقات أحواض السباحة أو كرة الماء.

فالسبّاح يشارك غيره في المنافسة أو اللعب ويؤثر أداؤه للسباحة على الأداء الجماعي لفريقه .. كذلك فإنّ المسابقات المائية هي تنافسية فردية مستقلة الأداء، فيما هي جماعية متشاركة الأداء.

أصل السباحة في الأساس هي لعبة فردية مستقلة الأداء والجهد، لذا لا يمكن الحكم على خصائصها الرئيسة المكونة لكينونتها الأدائية على ما يتفرع منها من ألعاب تنافسية كلعبة كرة الماء، التي تأخذ خصائص جديدة للعبة الرياضية الجماعية في الممارسة والأداء.

عكس ذلك .. سنجده في لعبة الرماية، الأحادية الممارسة، وغير القابلة أن تكون ذات ممارسة جماعية، تعتمد الممارسة على ممارسة آخرين، والرماية لعبة قابلة لابتكارية أشكال عديدة في الأسلوب والطريقة والشكل التنافسي والترويحي، مثلها مثل أي لعبة رياضية قابلة للتشكل والتطور، إلا أنها تبقى محافظة على كينونتها الرئيسة أنها لعبة فردية الممارسة .. إلى الأبد.

(الرماية) رياضة تنافسية أيضاً، ولكن باستقلالية، لا تكون مشاركة ولا حتى مكملة لأداء وجهد، ولا معتمدة عليه كما هو الحال بالنسبة للاعب كرة الماء لكونه ضمن فريق جماعي، فالرامي يتنافس مع رامين آخرين وجميعهم مستقلون في الأداء، لا يمكن أن يتشاركوا في جهد الأداء على الإطلاق، هذا يعطي (الرماية) صفة اللعبة الفردية الترويحية والتنافسية، فيمكن للرامي أن يستمتع بالتنافس الترويحي مع قدراته على الرماية دون حاجته لأن يمارسها مع أي احد، كذلك يمكنه مشاركة آخرين في (المنافسة) على إصابة المرمى.

إذاً عمر بن الخطاب يدعو المجتمع لممارسة اللعبة الرياضية لما فيها من منافع تقوي وتزيد من روح الجماعة والانصهار الحميمي بين أفراد المجتمع.

فاللعبة الرياضية وسيلة فاعلة على خلق الجسد الاجتماعي الواحد، ووسيلة حقيقية لتذويب الفروقات الاجتماعية والطبقية والعنصرية، حيث تغذي الأفراد الممارسين لها روح التآلف والتعاون وإكسابهم طبائع التسامح وأخلاقيات الاختلاف والمنافسة.

وسيرة عمر بن الخطاب فيها ممارسة رياضية تؤكد هذا، والمتأمل في علاقة عمر بن الخطاب بالرياضة ممارسة سيدهش حقاً من رياضية عمر وتجسيده لقيمة الرياضة الاجتماعية والإنسانية، وهو ما سيأتي ذكره في ملاحظة قادمة.

ملاحظة (7)

السباحة، الرماية، ركوب الخيل ... ألعاب رياضية (ضرورية) وذات أولوية في القيمة أهمية اكتساب ممارستها، عطفاً على مقاييس تلك الحقبة الزمانكانية التي تواجد فيها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب.

فركوب الخيل تاج ألعاب الفروسية عند العرب، بل ولدى مختلف مجتمعات الكرة الأرضية آنذاك .. وكذلك الرماية، فهي لعبة المجتمع الأولى، لأهميتها للفرد للدفاع عن نفسه، ولصيده وترويحه، لذا فهي جامعة لأغراض متعددة ولأنها يسيرة وبسيطة الاقتناء، كانت الأكثر انتشارية من بين ألعاب الرياضة في مجتمعات المعمورة آنذاك، أما السباحة فهي عند العرب ذات قيمة، على الرغم من البيئة الصحراوية التي تحوي المجتمع الحجازي الذي تواجد فيه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، إلا أنهم أدركوا أهمية ومنفعة ممارسة السباحة للفرد، ويكفي للتدليل على هذه المكانة أن العرب كانت تطلق مسمّى (الرجل الكامل) على من يجيد الكتابة والرمي والسباحة.

وأخرج البيهقي عن أبي رافع قال، قلت: يا رسول الله، للولد علينا حق كحقنا عليهم؟ قال: نعم، حق الولد على الوالد: يعلِّمه السباحة والرمي والكتابة وأن يورثه طيباً (5).

بل وجعلا للسباحة مكانة وقيمة في المجتمع العربي المسلم ارتقت بها إلى مكانة رفيعة في الأهمية لسلامة حياة الفرد، وقيمة مضيفة لقدرات الفرد، تعادل قيمة وأهمية الكتابة والحساب، فها هو الجاحظ في حقبة أكثر تطوراً للمجتمع العربي المسلم في ظل حضارته التاريخية يقول: خير ما يجب على الآباء من حفظ الأبناء أن يعلمه الكتابة والحساب والسباحة(6).

ولعل أدق من فطن إلى أهمية السباحة للفرد الحجاج بن يوسف الثقفي، عندما أوصى معلم أبنائه: علّم ولدي السباحة قبل الكتابة، فإنهم يصيبون من يكتب عنهم، ولا يصيبون من يسبح عنهم (7).

وفي ذلك تأكيد على قيمة السباحة وضرورتها لسلامة حياة الفرد، وليس فقط لصحته ولياقته وترويحه، وعناية المجتمع المتحضر بها تصنيفها على أنها (رياضة ضرورية) وليست مجرد (رياضة ترويحية أو تنافسية).



واهتمام العرب بالرماية كان منذ القدم، حيث عدت الرماية من جملة الخصال العالية في الشخص المكملة للإنسان.

وقد اشتهر في الجاهلية قوم بدقة رمايته وصحة إصابتهم للأهداف، وإذا أرادوا رمي أحد أخرجوا النبل ورموه به وقلّما يخطئون(8).

ويشير جواد علي إلى أن الرماية عند العرب كانت دراسة يتعلمها الرامي من رماة ماهرين، وحتى أهل الحيرة والفرس يعلمون أولادهم الرمي بالنشاب، واستعان الفرس بالرماة الماهرين من العرب، فكوّنوا منهم فرقاً خاصة في جيوشهم، وكان الرمي بالحجارة والحصى سلاحاً مهماً مؤثراً في العدد في ذلك الزمان (9).

ملاحظة (8)

تكررت في دعوة عمر بن الخطاب الرياضة، ونشر ثقافة الرياضة المجتمعية استخدام كلمة (علموا) وهو وكما ذكرنا في ملاحظات سابقة خير وسيلة لاكتساب ممارسة الرياضة بشكل صحيح ونافع، ذلك الذي يتأتى من خلال تعلُّمها، وليس أن تترك لفطرية الممارسة وحب التقليد، فكتب عمر بن الخطاب لأبي عبيدة بن الجراح قائد جيوش الدولة: أن علّموا غلمانكم العوم، ومقاتليكم الرمي(11).

إذاً بناء الفرد والمجتمع العلاقة مع اللعبة الرياضية خير وسائله وأفضلها أن تتم من خلال (التعلم) وليس من خلال فطرية ومصادفة ورغبة الممارسة، وخير وأنفع وسائط ووسائل تعلم اللعبة الرياضية أن تكون من خلال محاضن الرياضة (المدرسة - النادي - والمركز الرياضي)، حيث توافر البيئة الصحيحة والصحية لتأسيس علاقة نافعة وآمنة ما بين الفرد واللعبة الرياضية، حيث توافر التدريب والمدرب العارف والمتخصص، وتوافر الملعب أو وسائط اللعب وأدواته، مكاناً وزماناً وكادراً، لذا فإنّ على المدرسة والمراكز الاجتماعية والأندية الرياضية تقع مسؤولية أداء هذا الدور الاجتماعي والتربوي والترويحي في المجتمع من خلال تهيئة الظروف المناسبة واللازمة لكل أفراد المجتمع لممارسة الألعاب الرياضية حسب احتياجات وظروف كل فرد، وفقاً لاستعداداته البدنية والنفسية والعمرية والبيئية، إن فعل ذلك هو استجابة للدعوى العمرية الرياضية.

ملاحظة (9)

يقول العمري: كان عمر بن الخطاب يأخذ بيده اليمنى أذنه اليسرى، وبيده اليسرى أذن فرسه اليسرى، ثم يجمع جراميزه (بدنه) ويثب، فكأنما خلق على ظهر فرس(11).

وفيما يقول العمري تأكيد على رياضة عمر بن الخطاب، وهو بالفعل إنسان رياضي، ومن يستطيع الوثب على الفرس بطريقة عمر بن الخطاب، لابد أن تتوافر لجسده اكتمالية اللياقة البدنية، التي لا تكون إلا أن يكون صاحبها ممارساً للعبة الرياضة.

وعمر بن الخطاب كان كذلك، فهو المصارع والعدّاء والسبّاح والرامي والحمّال والفارس، وكتب التاريخ وشواهده تؤكد ذلك وتبرزه، والحديث عن ذلك تفصيلاً يطول ولن يسمح به الحيز المتاح لهذه المقالة، وقد كتبت مراراً عن ذلك في صفحات الرياضة في عدد من الصحف السعودية منذ سنوات، وقد انتهيت من جمع تاريخ عمر بن الخطاب الرياضي في كتابي عن الرياضة في المجتمع العربي المسلم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في القرن الأول من الإسلام، والذي أرجو أن يرى النور قريباً.

وقصدي من التفطين إلى أنّ عمر بن الخطاب صاحب هذه الدعوة المجتمعية الرياضية التاريخية، ما كان له أن يتصدى لهذا الأمر ويدرك أهميته وقيمته إلاّ كونه رياضياً مارس واكتشف واستنتج، فكان صاحب قدوة وممارسة صدوق لا يدعو إلى ما يظنه ويرغبه ويتحمس له لمجرد الحث والوصاية واستهلاكية القول ولتسجيل أسبقية القول أو لرفع ملامة وإخلاء مسؤولية.

ملاحظة (10)

إن ذكر عمر بن الخطاب ل(ركوب الخيل) إنما يعني (الرياضة الكاملة) المتمثلة في رياضة ركوب الخيل، ذات المتطلّب اللياقي البدني والمهاري الأكثر صرامة وصعوبة من المتطلّبات اللياقية والبدنية لألعاب أخرى تنتمي لها ألعاب (السباحة والرماية) على سبيل المثال لا الحصر.

ورياضة ركوب الخيل من ألعاب الرياضة التي تشترط مواصفات والتزامات لابد أن يمتلكها الممارس، غير متطلّبات اللياقة البدنية، مثل الشجاعة ومكارم الأخلاق.

والقوة لا تعني الشجاعة، فهما متغايران حسب ما يقوله ابن القيم، فالشجاعة ثبات القلب عند النوازل، وإن كان ضعيف البطش(12)، أي الثقة بقدرات اللياقة البدنية والمهارة الأدائية، كذلك امتلاك الانضباط النفسي المعين على التركيز والاستعداد الأدائي في الممارسة المنافسة، ولا تكفي القوة البدنية والقدرة المهارية لوحدها في لعبة رياضية كركوب الخيل لتحقيق التفوق التنافسي.

ورياضة ركوب الخيل هي في الأساس تعتمد على اقتدارية الفارس في التعامل مع كائن حيواني ذي طباع، وتتوقف اقتدارية الفارس على مدى ما يمتلكه من قدرة تعامل وارتباط تفاعلي مع هذا الكائن الحي، وهذه الأمور يدركها ممارسو ألعاب الفروسية ويعرفون أهميتها.

ما يمكن أن نستنبطه من تحديد عمر بن الخطاب لرياضة ركوب الخيل أيضاً، حثه على ممارسة هذه الرياضة ذات القيمة والأهمية للفرد والمجتمع في كل زمان ومكان وظرف، فمثلاً ألعاب الدفاع عن النفس تجد رواجاً في ممارستها في ظروف الحروب، أو في حالة اضطراب الأمان الفردي أو الجماعي، وهناك ألعاب ومناشط رياضية تتوهج في الصيف على الشواطئ أو في العطلات أو الأعياد وفي رمضان ذات طابع ترويحي جماعي..

ملاحظة (11)

عندما خص عمر بن الخطاب (السباحة والرماية وركوب الخيل) من ألعاب ومناشط الرياضة، إنما هو يعبر عن قناعة عامة سائدة في عصره على أهمية هذه الأنواع الثلاثة من ألعاب الرياضة وأهميتها على ما سواها للفرد، وهذه القيمة تحددها ثقافة المجتمع، وفي تلك الحقبة الزمنية كانت الرماية وركوب الخيل والسباحة حاجة الفرد ومتطلّبات مجتمع الفروسية التي تقتضيها نواميس حياة تلك المجتمعات في زمانها، لذا ستجد عمر بن الخطاب في غمار فترة الفتوحات الإسلامية قد قسم ما بين الرياضة (الضرورية) و(الترويحية)، فهو عندما نهر فتى يلعب الكرج وهي لعبة من ألعاب (الكرة) وكانت سائدة في مجتمعات العرب وبالذات في مكة والمدينة المنورة، لم يكن مقصد عمر الفاروق إلا توجيهاً بممارسة الرياضة الضرورية الملحة التي تحتاجها ظروف المجتمع وحاجاته الأولية، حيث كان يعيش حالة تعبئة ونزال مع جيوش إمبراطوريات متاخمة في الشام والعراق..

ملاحظة (12)

هذه الألعاب الثلاث (الرماية والسباحة وركوب الخيل) لا تقتصر ممارستها على فئة عمرية واحدة ولا حتى نوع الجنس، ولا طول أو قصر، أو نحافة أو بدانة الفرد، فهي ألعاب رياضية للجميع، بعكس ألعاب رياضية أخرى تقتصر ممارستها على فئة عمرية أو لجنس دون آخر، أو تتطلّب مواصفات بدنية وجسمانية معيّنة، فلعبة مثل الجمباز أو القفز من الصعوبة على البدين أداؤها، كما أن الطفل الصغير سيجد صعوبة في ممارسة حمل الأثقال أو رمي الجلة.

ويبقى السؤال الأهم ...

ما مدى اهتمامنا نحن (ورثة) ذلكم المجتمع العربي المسلم باللعبة والمنشط الرياضي، وبالذات فيما يتعلّق بلعبتي السباحة والرماية؟

لنسأل السؤال الذي سيخجل وزارة التربية والتعليم .. أين موقع هاتين اللعبتين في المدرسة السعودية؟ أين المسبح؟ أين المرمى؟ سيبتسم كامل التاريخ والحاضر، ليعطي إجابة تخجل أن تخجل .. لأزيد التساؤل والخجل واللوم، لماذا لم تهتم المدرسة (سابقاً) ومنذ أن جثمت (الصحوة) على حال وأحوال المدرسة السعودية، وجرّدت وفرّغت المدرسة من الرياضة، وغيّبت دعوة الفاروق الرياضية، وقفزت عليها، لترتهن إلى دعوة من لا علاقة لهم بفهم ووعي وإخلاص عمر بن الخطاب للإسلام وبالإسلام جوهراً وغاية للفرد والمجتمع.

الأمل يتجدد الآن، وإصلاح التعليم السعودي وتحرير المدرسة السعودية من هيمنة منهاج الصحوة المؤدلجة يقوده رجل ثقة وقدرة مدرك لقيمة وأهمية الرياضة النافعة للفرد والمجتمع، أعني وزير التربية والتعليم، وكوكبة رجاله ونسائه القياديين المستنيرين المستقلين المنتمين فقط للوطن والتربية النافعة، ورسالة الإسلام السمحة، آن الأوان لنهضة رياضية مدرسية لا يجب أن تتأخر لكي لا يدفع المجتمع ضريبة كبرى في غيابها وتغييبها المتناقض مع شروط التعليم والتربية المعاصرة، وحاجات الفرد والمجتمع الصحية والنفسية والإنتاجية، وجوهر دين الإسلام الذي جعل عموده (الصلاة) حركة بدنية تحتاج إلى لياقة نفسية وبدنية وذهنية، هي لب الرياضة ومنفعتها.

***

المراجع:

1- عيون الأخبار لابن قتيبة الدينوري.

2- لسان العرب لابن منظور.

3- لسان العرب لابن منظور

4- الطبقات الكبرى لابن سعد.

5- الباحة في فضل السباحة للسيوطي.

6- محاضرات الأدباء للأصبهاني في الباحة في فضل السباحة.

7- الباحة في فضل السباحة للسيوطي.

8- الباحة في فضل السباحة للسيوطي.

9- الباحة في فضل السباحة للسيوطي.

10- أصول التربية البدنية لأمين الخولي.

11- عيون الأخبار لابن قتيبة.

12- الفروسية لابن القيم.



 


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد