Al Jazirah NewsPaper Monday  02/08/2010 G Issue 13822
الأثنين 21 شعبان 1431   العدد  13822
 

الكلمة المفقودة!

 

مشكلتي يا د. خالد تتمثل في أني أعيش صراعا داخليا كبيرا مع نفسي حيث إني لا أرفض للآخرين طلبا حتى أني اشتهرت بلقب (الحبيب) والآن حياتي وجهدي وأموالي وقتي يذهب للناس ولست أعلم هل تصرفي هذا صحيح أم خطا أرشدني يا د. خالد وفقك الله؟

ولك سائلي الفاضل الرد:

من تصرفات البشر الرديئة التكتم على مكنوناتهم وعدم التجرؤ على البوح بها وبهذا التصرف يشعلون ألسنة لهب تأكلهم من الداخل فيبقون في صراع داخلي عنيف تضغط عليهم فيه المشاعر حتى يجدون أنفسهم بلا وعي مندفعين نحو كبت وطمس رغباتهم الداخلية وإلغائها بل ونفيها تماما إلى حد إبداء الرغبات المعاكسة لهم، محاولين إقناع أنفسهم والآخرين بأنها الرغبات الحقيقية!!‏!‏

وأخشى أن يكون هذا ما حصل معك!!

بالرغم من سهولة انسياب كلمة (لا) من الشفتين إلا أنها كلمة يضعف أمامها القوي ويثقل عن نطقها لسان الفصيح البليغ!

وللأسف أن جملة من الناس حذفت هذه الكلمة من قاموسهم فورث انحسارها في حياتهم جهدًا مهدراً ووقتاً مضاعاً، وهذا ما أكدته في رسالتك التي كتبتها بحرف باكٍ ومداد يئن!

ويوم غابت كلمة (لا) من حياتك كان التضييق على النفس وإلزامها بأحمال تنوء بها العصبة وكان السطو على حقوق المقربين بتضييع حقوقهم وهو ثمرة متوقعة لتصارع الأولويات! إن الاستجابة لرغبات الآخرين على الدوام والتفاعل بشكل مستمر معها وسيلة مضمونة لاستنزاف الطاقة وإهدار الجهد وتوتير الحياة وإضعاف العلاقات.. وحري بك أن تدرك أن الثمن لقول (نعم) لشيء هو قول (لا) لشيء آخر..... (نعم) لطلبات الآخرين سيرافقها (لا) لنفسك (لا) لجلوسك مع عائلتك (لا) لمشاريعك (لا) لصحتك، وأن تعي أن من أسباب احترام الأشخاص وتقديرهم امتلاكهم القدرة على صنع قراراتهم بتجرد دون أي ضغط أو مؤثر خارجي.

لابد من الوقوف على الحقيقة المرة والمغيبة، ألا وهي أن الذي يدفع الكثير (وأتمنى أن لا تكون منهم) على قول (نعم) باستمرار هو ضعف في شخصياتهم يرافقه خوفهم من عدم قبول الآخرين لهم أو إغضاب الناس، وهذا وصف لداء خطير اسمه (داء إرضاء الآخرين) والذي لا يمكن إنكاره أن هؤلاء بعد موافقتهم للآخرين يحسون بامتعاض شديد وألم داخلي وقد يشعرون بكره وحقد على من وافقوه... إذن فما قيمة ما فعلوه؟! وقد تختلط عند أحدهم الأمور، فيظن ذلك من الشيمة والمروءة وفعل الخير ولم يدرك أن ذلك الاندفاع في قول (نعم) كان مقابل صحته ووقته وأبنائه وأشغاله من قصر النظر وضعف الحيلة.

يصيب وما يدري ويخطئ وما درى

وكيف يكون الجهل إلا كذاكا

ولست أدعوك لقطع حبال التواصل مع الآخرين وفعل الخير أبداً، ولكن الفضيلة كما يقال بين رذيلتين وكلا طرفي الأمور ذميم، ولكنك لست مضطرا للقتال في كل معركة والتطوع في كل نزال والحديث في كل منتدى والرقص في كل عرس وقبول أي مهمة وتقلد أي مسؤولية! وعليك أن تنشد التوازن الذي يضمن حياة نفسية واجتماعية مستقرة... وتلك حلول عملية أهديك إياها لتحرير كلمة (لا) من أسرها - بإذن الله:

1- لابد أن تعي أخي الحبيب أن الانتقال من حالٍ إلى حال له ضريبة ومقابل، والتغيير في العادات يحتاج إلى جهد وهمة ووقت فمن طلب الحسناء لم يغلها المهر، ومن رام حياة جميلة فلا بد أن يدفع الثمن، ولحسن الحظ أن التعود على قول كلمة (لا) حال الحاجة أمر ليس بالمعجز ,إنما هو مهارة تنمو وترسخ بالتدريب.

2- لا بد أن تبدأ من نفسك وتروضها على تقبل كلمة (لا) من الآخرين بكل أريحية وسعة بال، وتذكر أن فاقد الشيء لا يعطيه.

3- ليكن لك في حبيبك محمد - صلى الله عليه وسلم- قدوة في عدم المجاملة ولم يتردد في قول (لا) في بعض المواقف ومنها رده لأبي ذر عندما طلب الإمارة، ومثلها رفضه القاطع لشفاعة أسامة في المخزومية السارقة، وكذلك وقوفه الصارم -صلى الله عليه وسلم- أمام مساومة قريش.

4- قارن بين الضرر الذي سيلحق بك إن قلت (نعم) وأنت لا تريد مركزاً على الضرر القريب، وأعلم أن أي سلوكٍ يراد تغييره فلابد أن يربط بالألم أو الضرر الذي يسببه.

5- اكتب كل (الفوائد) التي ستجنيها حال قلت (لا)، وهنا سوف يقرر عقلك ذلك بشكل تلقائي حيث تتضح لك الرؤية لربطها بالسلوك المؤثر ودعمها بالأحاسيس والمشاعر المصاحبة.

6- جميل أن تقول (لا) بدون أن تزعج الآخرين، بوضع بديل أو إيجاد حل وسط أو أن تبدي أيضاً تعاطفاً مع المقربين لعدم تمكنك من الاستجابة لرغبتهم والأجمل هو أن تحتفظ بحقك في الرفض أو القبول بلا تبرير ويكفيك فقط أن تقول لا أريد.

7- احرص على أن يظهر من لهجتك حال رفضك رسالة للآخر مفادها أن مقصودك من كلمة (لا) هو الرفض وليس المقصود أنك سوف تغير رأيك طالما ألح عليك!

8- وأخيراً تأكد أن قيمتك ومكانتك لا تعتمد على الأمور التي تفعلها للآخرين، وثق أن قولك (لا) أحياناً لبعض الناس سيرفع من شأنك، واعلم أن قيمتك لا علاقة لها البتة بمدى موافقتك لهم والحقيقة تؤكد على أن كثيراً ممن تورط وسقط في مستنقع إرضاء الآخرين لا يحظى بكبير احترام عندهم!

شعاع:

أنا قد لا أعرف مفتاح النجاح، ولكنني أعرف يقيناً أن مفتاح الفشل هو إرضاء الجميع.

 


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد