Al Jazirah NewsPaper Thursday  12/08/2010 G Issue 13832
الخميس 02 رمضان 1431   العدد  13832

إذا ظهر السبب بطل العجب
د. عبدالحليم بن إبراهيم العبداللطيف

هذا مثل يتردد على ألسنة كثير من محبي العرب والعربية والمثل كما هو معلوم عند فرسان الميدان وملوك البيان (قول مشهور في غرابة ممثل مضربه بمورده) ويتساءل البعض ويعجبون كثيراً عن سر نظافة الحرم المكي والمسجد النبوي على صاحبه أفضل الصلاة وأزكى التسليم وعن سر نجاح القائمين عليهما في إيجاد هذه الخدمة المميزة وليست النظافة فقط، بل في شتّى الميادين في هاذين المكانين الذين رفع الله قدرهما وأعلى مكانهما في قرآن يتلى وسنّة تردد على مر العصور والأيام (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ).

والمسلم وخصوصاً المسؤول لا بد أن يقف أمام هذه النصوص القليلة الكلمات العميقة الدلالات وما وراءها من عبر وأسرار في عالم النفس وعالم الحياة والممات والأمة التي يقوم منهجها وبرامجها على دعوة الله لا بد أن تكون في حاجة ماسة وملحة إلى استيقاظ كل خلاياها واحتشاد كل قواها وتوفر كل استعداداتها وتجمع كل طاقاتها كي يتم لها ما تريد ويتكامل نموها وتتهيأ بذلك لحمل الأمانة المناطة بها والعمل السريع الذي لا يكلف عناءً يعطل الطاقات لأنه لا يحفزها ولا يدعوها وهو أيضاً سهل فقدانه وضياعه لأنه رخيص الثمن لم تبذل فيه تضحيات عزيزة، وهناك الوجدانية والدربة العملية والمشاعر المصاحبة لها من الأمل والعمل ومن الفرح والغم والاطمئنان والقلق وكشف نقاط القوة والضعف وتدبير الأمور في جميع الحالات وكلها ضرورية للأمة والتي تحمل هم الدعوة وتهيئة الأماكن الصالحة لمثل هذه الممارسات العبادية الصحيحة والله سبحانه وتعالى لم يجعل النجاح والفشل في أمر من الأمور لقية تهبط عليهم من السماء بلا عناء، بل جعل ذلك إذا أراد عن طريقهم هم أنفسهم وهو النجاح القائم على أسبابه ومقتضياته المشروط بتكاليفه وأعبائه وهو نجاح له سببه وله ثمنه وله تكاليفه وله شروطه، فلا يعطي لأحد جزافاً أو محاباة ولا يبقى هذا النجاح لأحد لا يحقق غايته ومقتضاه وفي حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ومنهجه في دعوته وفي تاريخ هذه الأمة الماجدة من قبل ومن بعد أمثلة قائدة ورائدة من هذا تغنينا عن كثير من القول الفَج السمج الذي يردده الصغار والأغرار وأن الناظر المنصف لما في الحرم المكي والمسجد النبوي من كد وجهد وعمل جبار يصل الليل بالنهار أظهر المسجدين بصورة رائعة ورائقة ومشوقة أصبحت العبادة فيهما متعة ومنحة ومنة وفعلاً تحقق وبكل جلاء وضوح ومتعة قول الحق سبحانه: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) وذلك راجع بعد توفيق الله سبحانه إلى عوامل كثيرة توافرت لهما في هذا العهد الزاهر عهد الدولة السعودية المباركة حامية جناب التوحيد والتجريد ولم يحصل المسجدان الكريمان ومنذ فجر الإسلام وحتى قيام هذه الدولة المباركة على مثل هذه الخدمة الرائدة ومن أهم هذه العوامل:

أولاً: الدعم السخي واللا محدود الذي أظهر المسجدين بمظهر رائق ولائق ويدعو للإعجاب

(اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) فلو فرض أن كان المسجدان الشريفان في يد دولة غير منفقة ولا مهتمة كما نشاهده في بعض ديار الإسلام لكانت المأساة والضيق والحرج الشديد لكن الله هيأ لهما دولة إسلامية ماجدة راشدة وَظفْتَ العلم والعمل والمال والخبرة والقدرة لخدمة المسجدين الشريفين واختارت الرجال الأكفاء الأمناء المخلصين الصادقين، فكانت النتيجة كما نراها الآن حيرت العقول والأفهام وما ذاك إلا بهمم الرجال الأخيار الأمناء.

الأمر الثاني حسن اختيار الرجال أصحاب الأمانة والديانة والتوجه الصادق نحو العمل والبذل والإنتاج وهذا من أهم الأمور وفي جميع القيادات ونحن نشاهد ذلك كثيراً في دنيا الناس ولعلماء التربية قول جميل رائع في هذا الباب وهو قولهم وصدقوا (أعطني مديراً وأعطيك مدرسة) إذا فليس النجاح في توفير المال والأسباب المعينة وهي مهمة ولا يستهان بها لكن همم الرجال هي الأصل الأصيل في هذا الباب ومن أراد المثل والدليل فلينظر في مختلف الأجهزة الحكومية فالبذل واحد والعطاء من الدولة غزير والأثر مختلف وبين مسؤول ومسؤول مثل ما بين الثريا والثرى وصدق من قال:

والناس ألفُ منهموا كواحد

وواحد كالألف إن أمر عنى

وفي الأمانات والبلديات والمدارس خاصة (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) هذا ولقد وفق الله ولاة أمر هذه البلاد السعيدة فاختيار الأكفاء (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ) فالشيخ صالح الحصين هو من يعرفه الجميع علماً وخلقاً وتفوقاً في قدراته ومعارفه ودقة لحظه وملاحظته وهو من القلائل في هذا الباب يساعده في هذا العمل الجليل رجلان صادقان مجربان في الدقة والإنتاج والمتابعة الرائدة هما فضيلة الشيخ الدكتور محمد بن ناصر الخزيم التربوي الفذ والإداري الناجح فقد عرفته عن قرب وزاملته في التعليم طويلاً، فكان أسوة حسنة وقدوة طيبة مثلى جاد ومجتهد ومثابر ودقيق ومخلص لدينه وأمته ووطنه ومحب لعمله الجليل الذي أنيط به وأوكل إليه، أما زميلنا في الدراسة الشيخ عبدالعزيز الفالح فقد عرفته شهماً هماماً صادقاً ودؤوباً مع الجد والاجتهاد وبذل المستطاع في تطوير عمله والارتقاء به إلى الأكمل والأفضل.

الأمر الثالث وهو الأهم عملية الاحتساب فالعاملون في هذين المرفقين لديهم همة واهتمام واحتساب في هذا العمل وقد ظهر ذلك في قول وعمل وإحساس وتوجه كل من تلاقيه منهم وما ظهر هذا العمل الجبار الذي حير الباحثين والإداريين والمنظورين إلا بالنية الصالحة والهمة الصادقة وهذه المسألة تحتاجها الأمة في جميع مرافق حياتها، فالعمل بنية ورؤية وحكمة وهمة عالية يأتي بنتائج باهرة وللمسجدين الكريمين جو خاص يظللهما ويشيع فيهما جواً معرضاً للانفعالات والمشاعر القوية وهو جو يغلب عليه الفرح والسرور والرحمة والرضى والاتصال والنعيم الذي يلقاه العاملون في صورة ودٍ والمسلم في المسجدين عاملاً أو عابداً أو زائراً يحس باللمسات الحانية والدانية لمسات الرحمة الندية ودبيبها اللطيف ففيهما رخاء وعطاء وعمق حفيُّ رضي. إن تكاليف الارتقاء بالعمل والإنتاج ليست شاقة ولا عسيرة والتي فقدها البعض عندما اتجه إلى نفسه وشهواته ورغباته فقلت أمانته وضعف إنتاجه وقل خيره وبره وأضاع أمانته إن تكاليف التجرد والاحتشاد والتفرغ من كل شاغل ومن كل هاتف أو التفات إنها مع المشقة أحياناً لها لون خاص وطعم خاص لا يعرفه إلا من ذاق فأفاق ولكنها لا تنال إلا بتلك المشقة والاحتساب والتجرد لها والاستفراق فيها والتحفز لها بكل جارحة وخالجة فهي لا تفشي سرها ولا تمنح عطرها إلا لمن يتجرد لها ويفتح منافذ حسه وقلبه لها، إنها تحتاج إلى صبر ومصابرة ومثابرة خالصة من أوشاب الأرض وأوهاق وإرهاق الضرورات وشهوات النفوس ومواضعات الحياة.

إشارة

إذا هبت ريح الإيمان جاءت بالأعاجيب في العقيدة والأعمال والأخلاق ورأى الناس روائع من الشجاعة واليقين والعفة والأمانة والإيثار وهضم النفس وروح التطوع والاحتساب والتواضع في المظاهر وكبر النفس وسمو النظر ورأوا آيات من العدل والرحمة والوفاء كادوا ينسونها ويقطعون منها الرجاء.

 


صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد