السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
|
دكتور خالد.. ثقة بك وبسداد آرائك سأعرض عليك مشكلتي التي ما بحت لأحد بها؛ خوفاً من أن يفهمني الناس فهماً خاطئاً:
|
أنا فتاة جامعية، وفي الجامعة بنات كثيرات يستشرنني في مشاكل وأمور تحصل لهن، معللات ذلك بأنهن يثقن بي وترتاح قلوبهن إليَّ.. يا دكتور هذا الشيء يسعدني كثيراً، ومَن منا لا يريد أن يكون محبوباً بين الناس وترتاح إليه النفوس، ولكن ما يضايقني في هذا الأمر أنني أحياناً لا أجد حلاً لمشاكلهن، وربما لا أوفق في إعطائهن الحلول المناسبة؛ لأني بنت عادية ولست على قدر من العلم والدراية والحكمة.. لا أعرف كيف أتصرف؛ فأحياناً أقوم بإعطاء من تستشيرني حلاً، ولكن بعد ذلك أندم وأخاف أن يكون غير مناسب أو يجر عليها الضرر أكثر من النفع؛ فماذا أفعل؟ هل أسكت وأقول: لا أعلم، افعلي ما ترينه مناسباً أم أقول لها: استشيري غيري؟ أرجوك أعطني حلاً دبلوماسياً يرضيني ويرضي الطرف الذي وثق بي.
|
وإليك سائلتي الكريمة الرد:
|
إن التصدر للاستشارات والتصدي لخدمة الناس عن طريق حل مشاكلهم وإنارة الطريق لهم والاجتهاد في نصحهم درب ميسر لاكتساب الرفعة في الدنيا والآخرة ولنيل الذكر الحسن والسمعة الطيبة..
|
وإنما المرء حديث بعده |
فكن حديثاً حسناً لمن وعى |
ومن أعظم الأعمال إذا ما صاحبته نية طيبة؛ يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أكد فيه الأهمية البالغة لهذا الأمر: «أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله - عز وجل - سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة..»، وأحسبك - والله حسيبك - لم تصلي إلى تلك المنزلة إلا وأنت من أصحاب العقول الراجحة والنظرة المتأنية، ومن أعظم نعم الله عليك أن تحظي بالقبول وثقة الآخرين؛ فهذا مؤشر خير، ولله الحمد، والناس - أختي الكريمة - في حاجة إلى قلب رحيم وعقل راجح، وإلى مَن يزرع الأمل في أرواحهم، ويهدئ ثورة مشاعرهم، ويشاركهم آلامهم.
|
ولا بدَّ من شكوى إلى ذي مروءة |
يواسيك أو يسليك أو يتوجع |
لفت نظري قولك إنك إنسانة عادية، وأقول إن كان هذا من باب التواضع والتضامن المحمود فحسن، ولكن الحذر من حديث النفس السلبي المتجاهل للإيجابيات؛ فهو ما يعطل القدرات، وينسف الإنجازات، ويبقيك أسيرةَ دائرة السلبية البغيضة.
|
وبالنسبة إلى موضوع الاعتذار عن قبول الاستشارات فلا تترددي عن تقديم الاعتذار إذا لم تتضح الرؤية؛ فهذا خير لك من التصدي لمشكلة يصعب عليك فك غموضها واكتشاف سبل حلها وتقديم حلول واهية ضعيفة، ويُروى في هذا أن أحدهم سأل أحد العلماء عن مسألة فرد عليه: لا أعرف! فاستنكر أحد طلابه عدم معرفته! فرد عليه العالم: لو ملكت أمك عدد (ما لا أعرف) من المسائل بعراً لكانت أغنى الناس!
|
والاعتذار - وفقك الله للخير - مقبول لو صاحبته نظرة مواساة وكلمات تعاطف تفتت الهم؛ يقول السير ثوماس تالفورد: (إن فن التعاطف هو الفضيلة الأولى التي يجب على الإنسان تعلمها)، وكذلك الدعوات الصادقة بتفريج الهم وتنفيس الكرب.
|
وأنا في الجملة لا أميل إلى انسحاب كامل من موضوع الاستشارات؛ فإني قد آنست منك استعداداً، ولعلك تستعينين بتلك التوجيهات:
|
1- أنصح نفسي وإياك بتجديد النية وإخلاص المقصد عند تقديم أي استشارة؛ فكل ما في هذا الكون يمضي ويصبح نسياً منسياً إلا الذكر الطيب وعمل الخير النقي الخالص لله؛ فهو الذي يبقى ويدوم، ومعه يكتب القبول، وكذلك الاستمتاع بتقديم الاستشارات، إضافة إلى الكم الهائل من الدعوات الصالحات التي ستحظين بها.
|
2- على المستشار مسؤولية عظيمة وحمل كبير؛ فالمسترشد قد سلمه الأمر وأعطاه القياد؛ حيث يجد الاستعداد التام لتنفيذ ما يشير به؛ إذن فالأمر في غاية الخطورة، ويتطلب امتلاك المستشار للأدوات التي تمكنه من تقديم استشارة تنفع المسترشد، لا أن تعقد حالته، ومن تلك الأدوات المهمة أن يمتلك المستشار استعداداً نفسياً ومهارات ذاتية تتمثل في النظر إلى المشكلة من كل الزوايا، واصطياد ما خلف الكلمات، وغيرها من المهارات المبسوطة في الكتب المتخصصة.
|
3- كما أنصحك - أختي الكريمة - بعدم الاستعجال في تقديم الاستشارة؛ حيث إنها تحتاج إلى ذهن صاف ومزاج معتدل؛ فتقبل الاستشارة في أي وقت سيجعل المستشار يقدم الاستشارة في حالات من عدم قلة التركيز أو اعتلال المزاج؛ مما يؤدي إلى نتائج غير جيدة واستشارة سقيمة.
|
4- ليس بالضرورة أن يكون لديك حل مخلص مُنْهٍ لكل مشكلة ترد إليك؛ فهناك بعض المشاكل التي ليس لها حل إلا التكيف معها والصبر عليها، وليس عيباً أن تعتذري عن حل مشكلة إذا التبس عليك أمرها، وأغلقت منافذ عقلك عن الوصول إلى حل مناسب.
|
5- أختي الكريمة.. لا تكلفي نفسك ما لا تطيق، ولا ترهقيها من أمرها عسراً؛ فأنت عليك الاجتهاد في تقديم النصيحة، ويبقى النجاح بيد رب العالمين ثم في الجدية التي يبذلها المسترشد في تنفيذ الحلول؛ فالكثير منهم - للأسف - يريد حلولاً سحرية، ونسي أنه قد لجأ إلى مستشار، ولم يلجأ إلى ساحر!
|
وعلى كل حال فإن تغيير البشر من أصعب الأمور وأكثرها عناء ومشقة، وليس هناك أي ضمانة للتغيير الكامل إلا بإرادة الله.
|
6- من الأمور التي وعيتها مؤخراً في مجال الاستشارات عدم الاسترسال في مشاكل الآخرين على صعيد الشعور؛ حيث إن الاستغراق في التفكير بمشاكل الآخرين سيولد مشاعر سلبية، وهذا من شأنه أن يشل قدراتك ويضعفك تماماً، ولسنا مطالبين بحمل الهموم فوق رؤوسنا، والتعاطف مع الآخرين لا يعني البكاء على مشاكلهم والنواح على مصائبهم أبداً إنما مساعدتهم في البحث عن حلول مناسبة ومخارج ممهدة..ومن جهة أخرى لا تجعلي وقتك كله يدور حول فلك المشاكل والمصائب؛ فهذا سيضغط عليك عاطفياً، وستعيشين معه في دوامة، وستضعف أدوارك الأخرى في الحياة، ولا شك؛ لذا ينبغي أن تخصصي موعداً معيناً للاستشارات، وليس في كل وقت.. وفقك الله، وجعلك من مفاتيح الخير.
|
|
للعظيم قلبان: قلب يتألم، وقلب يتأمل.
|
|