Al Jazirah NewsPaper Monday  30/08/2010 G Issue 13850
الأثنين 20 رمضان 1431   العدد  13850
 

وقت الانطلاق

 

سعادة الدكتور الفاضل خالد المنيف.. أنا شاب عمري 27 سنة، أعيش حياة مترفة؛ فوالدي من كبار التجار، وأرصدتي في البنك كبيرة، وأنا أستقل أفخم السيارات، وأسافر إلى أجمل الدول، ومع هذا أجد حياتي رتيبة مملة، وأراني أعيش عالةً على والدي؛ فهناك جوانب في حياتي كثيرة تحتاج إلى تغيير، سواء من ناحية العلاقات أو الثقافة، وأحياناً أحس بأنني أعيش حالة جمود وعدم قدرة على التحرك أو التغيير، كما أشعر أحياناً بأن الوقت فات، وفي أحيان أخرى أحس بأني لا أملك الوقت، ولأني متابع جيد لك، وتعجبني أطروحاتك، وسريع التأثر بما تكتب؛ فإنني أتمنى أن تقدم لي نصيحة أستطيع بها أحداث انقلابة في حياتي، وشاكر ومقدر.

وإليك سائلي الفاضل الرد:

من أتفه صور الحياة تلك التي تمر بلا إنجازات، وما أضيق العيش إذا غابت الآمال، وما أقصر الأعمار بلا آثار طيبة..

وما مشتت العزمات ينفق عمره

حيران لا ظفر ولا إخفاق

يقول ج. بايرون: «من الخطأ أن تعتقد أنك وُلدت بشخصية معينة لا سبيل إلى تغييرها؛ فأنت في تغيير كل يوم». وتذكر أن الذين لا يستطيعون التغيير هم سكان القبور والمجانين فقط!

لتحريك دوافعك الداخلية اسأل نفسك - أيها العزيز - عن ثمن عدم التغيير؛ فلو كنت لا تقرأ؛ فستظل شخصاً بسيطاً لا قيمة له ولا أثر، وإذا كنت سريع الغضب فثمن عدم التغيير ربما الوفاة بأزمة قلبية أو الإصابة بالقولون وخسارتك لمَن حولك؛ فكن جريئاً، وأخبر نفسك بتبعات البقاء على الوضع الحالي وخسائرك حال عدم التغيير، وتذكر أن معادلة النجاح تتكون من: قرار قوي، وانضباط لا يقبل الاستثناءات، ولا مفرَّ من تحمل ألم البدايات وعناء عبور الجسر ووخز الشوك ولسعات النحل ثم اهنأ بعدها واستمتع بمرحلة جديدة في حياتك. وتذكر أن التغيير نحو الأحسن، ولو كان بطيئاً، أفضل من الحال السيئة التي أنت عليها، ولا بدَّ من دفع الفاتورة من تعب وجهد وعرق وتضحيات..

لولا المشقة ساد الناس كلهم

الجود يفقر والإقدام قتال

كن شجاعاً، وابدأ، وستجد دعماً ومكافأةً من داخلك؛ حيث سيبدأ جسمك يفرز هرموناً يُضخ في مجرى الدم اسمه (الدوبامين) الذي يعطي المزيد من مشاعر السعادة والإحساس بالراحة، وإذا كان الأمر يتعلق بموقف تخشاه كالحديث أمام الآخرين فبمجرد أن تشرع في الحديث ستجد أن مشاعر الرضا والثقة قد عظمت، وهذا بفضل إفراز الهرمون المحفز!! والآن انظر إلى ما حولك، وتأمل في إمكاناتك، وستجد أنك قادر على إجراء تحسينات كبرى في حياتك بخطوات صغيرة؛ يقول رجاء النقاش: إن الطريق الصحيح الذي يقودنا إلى نبع الحياة الحلو وسحرها الدافئ هو أن يقول الإنسان لنفسه: إن الخطة المثلى هي أن أعمل الواجب القريب مني!

تحدثت عن الوقت، وكونه لا يسعفك، وأقول: إن الذين يعتذرون بالوقت أو عدم مناسبة الأيام الحالية، ويعمدون إلى التأجيل والتسويف هم في الحقيقة لا يريدون أن يتغيروا ويمارسون حيلاً نفسية يخدعون بها أنفسهم، وأربأ بك - أيها العزيز - أن تكون منهم؛ فما دمت حراً طليقاً وصحيحاً معافى؛ فأنت تصنع خيارتك بنفسك، فلو استقطعت عشر دقائق من يومك فقط، وخصصتها لأجل التغيير الجديد؛ فإنك بذلك تكون قد اقتنصت أكثر من 60 ساعة سنوياً، وهي كافية لصناعة فارق كبير في حياتك، وتذكر أن أفضل وقت للتغيير هو بعد انتهائك من قراءة تلك الحروف!

من الأمور المعينة على التغيير، والتي ربما يغفل عنها البعض، أن تحيط نفسك بمجموعة إيجابية، والبداية تكون بأن تتأمل في أوضاع مَن حولك ثم تصنيفهم إلى سلبيين وإيجابيين ثم قرر الابتعاد ما أمكن عن السلبيين، والتواصل مع الإيجابيين والاقتراب منهم، ولا تنسَ أن تشعرهم بقراراتك الجديدة، وبالتغيير الذي طرأ على حياتك؛ فهم قوة دافعة لك في رحلة التغيير.

كما أوصيك باختصار المسافات؛ وذلك بالبحث عن الناجحين في المجالات التي تهواها في مَن حولك، واسألهم التوجيه والنصح، واصنع ما صنعوا؛ مختصراً المسافات، ومستفيداً من تجاربهم.

أخي العزيز.. في رحلة التغيير سيتربص بك أعداء أخطرهم هو ما يسمى الناقد الداخلي، وهو صوت في أعماقك لا يفتأ يذكرك بتجارب الماضي وسقطاته، وكيف أنك جربت ولم تنجح؛ محاولاً إعاقتك عن المحاولة؛ فدعه ولا تلتفت إليه؛ فأغلب الناجحين في الحياة يقيناً قد مروا بمحطات إخفاق، وما زادهم ذلك إلا ثباتاً وصلابةً. ومن الأصدقاء المعينين لك في رحلة التغيير تقنية مكافأة النفس؛ فجرب أن تكافئ نفسك بعد أي تقدم والتزام؛ فالنفس تزداد قوتها، وتتعاظم قدرتها بأسلوب المكافأة، وأعد نفسك برحلة أو بجهاز أو بوجبة، وستجد نفسك أكثر صبراً وأقوى عزيمة.

أخيراً، أخي الحبيب، تذكر أنك خلال رحلة التغيير عرضة للارتداد؛ فلا تبتئس، وإياك أن تقول: انتهى كل شيء أو أنا فاشل؛ فتعود إلى حيث كنت! فإذا فاتك التزام اليوم فلا يفوتك في الغد، واحذر ما يطلق عليه علماء النفس اسم (تأثير انتهاك قرار الامتناع)، وهو يعني انتهاج أسلوب الكل أو لا شيء، وهو أسلوب رديء في التعامل مع الأحداث والأشخاص.. وفقك المولى، ورعاك، وجعلك مباركاً أينما كنت.

شعاع:

إنك لا تغرق عندما تسقط في الماء، إنك تغرق فقط إذا بقيت هناك!!

 


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد