Al Jazirah NewsPaper Thursday  16/09/2010 G Issue 13867
الخميس 07 شوال 1431   العدد  13867
يوم عيد
عبدالعزيز الصالح

لا يكاد أحد يجهل أن العيد كلمة كبيرة لها معانيها ومدلولاتها الجميلة وإيقاعها المثمر على النفس البشرية.

فإنها تعيد بناء المرء من جديد حيث إنها تزرع السعادة والحب والمودة والاحترام والتقدير بين الناس وتوحد قلوب البشر، حيث إن العيد مناسبة عظيمة تحمل بين طياتها وجنباتها معاني كثيرة في حياة الأمة الإسلامية كافة فالفرح والسرور ولذا أعطى الرسول صلى الله عليه وسلم النفوس نصيبها من ذلك وخاصة في مناسبات الأعياد والأفراح ونحو ذلك.

إن التعبير عن مشاعر الفرح والسرور فطرة بشرية والحفاوة بها سنة نبوية دل عليها هدي النبي الذي بُعث بالحنيفية السمحة.

فقد وقف أبو الطيب المتنبي في مثل هذه الأيام المباركة مبتدئا قصيدته المشهورة بقوله:

عيد بأية حال عدت يا عيد

بما مضى أم لأمر فيك تجديد

فكل إنسان منا يسأل نفسه مراراً وتكراراً كيف يستقبل المرء هذا العيد؟ الذي يوشك أن يحل علينا بعد هذا الشهر الفضيل بعد هذا الشهر المبارك شهر الخير والرحمة والمغفرة والعتق من النار هل نكون كما كنا في حالتنا السابقة؟ ضعافا أمام نقائصنا في ظلام دامس في ظلام الغفلة أم نستبدل ما بنا من الشر بالخير؟ أسئلة محيرة تحتاج منا التفكير والتأمل والتدبر كلما تأتي هذه المناسبة العظيمة، فالمرء يجد نفسه بعدها وحيداً إلا من (الصمت) الذي يشمل الأكوان عندما ينادي المرء مستغيثا فلا يجد من يسمع نداءه.. ولست هنا بالمبالغ أو البريء من مصاعب الدنيا التي تحملها الكثير والكثير من الناس وضاقت بهم الأرض ذرعاً بما رحبت ولم يجدوا سبيلاً إلى الخلاص إلا باللجوء إلى خالق الكون سبحانه وتعالى أن يحيل التفرق ائتلافاً، والتناحر ألفة، والتباعد محبة ومودة والضعف قوة.

فإذا كنا نستقبل العيد بالحسد والحقد فنحن في تلك الحالة لم نحسن استقباله، وإذا كنا نستقبله بالضغينة والقطيعة فنحن في تلك الحالة لم نحسن استقباله، وإذا كنا نسعى للوقيعة بالآخرين فنحن في تلك الحالة لم نحسن استقباله. وإذا كنا نستقبله بالتعالي والتكبر فنحن في تلك الحالة لم نحسن استقباله.

وإذا كنا نسعى للغيبة والنميمة فنحن في تلك الحالة لم نحسن استقباله، وإذا كنا نسعى للتفرقة بين الإخوة والأحبة والأصدقاء والأقارب والأرحام فنحن في تلك الحالة لم نحسن توحيد الصفوف وتمزيق صفحات الخلافات ونبذ دواعي الحسد والحقد والكراهية والبغضاء.

وفي تلك الحالة حاربنا كافة وسائل الوشاية والنميمة واقتربنا من الحقائق البسيطة والواضحة فإذا لم نعمل على ذلك لم نحسن استقبال هذه المناسبة العظيمة على الوجه الأكمل ومن فضائل هذا الشهر المبارك وما أكثرها وما أجلّها لنا كإخوة في العقيدة أن نحب بعضنا بعضا لنعيش في تعاون وتعاطف وتكاتف وتآلف ومحبة ومودة ويظهر هذا الحب بشكل عملي في وجوب إخراج زكاة الفطر.

فنحن لابد أن نعطي الدليل القاطع على حبنا لإخواننا في الإسلام والإنسانية من الفقراء والمساكين والأرامل والأيتام وأبناء السبيل، ولابد أن نمتعهم بما نتمتع به من خير أفاضه الله علينا.فهم لهم حق في أموالنا، ونحن لا نشك في ذلك أبداً نعطي هذا الحق استجابة لأمر الله سبحانه وتعالى الذي فرض الزكاة علينا، واستجابة لهذا الحب الذي قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم فيه (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، ويتجلى هذا الحب الذي تخرج به من رمضان في يوم العيد أيضاً عندما نقف في صلاته صفوفاً متراصة في خشوع وخضوع وتذلل وحب ورهبة أمام الخالق عزَّ وجلَّ كما يظهر كذلك واضحا عندما نتبادل الزيارات وعبارات التهاني الطيبة بهذه المناسبة العظيمة ما أحسن العبارات الجميلة التي تتردد على الألسن بين الناس.. ما أجمل الكلمات الرقيقة حينما تعانق الشفاه.. ما أجمل الكلمات حينما تنبثق من أعماق القلوب لتعانق الوجدان.

وفي الحقيقة نحن لو لم نخرج من هذا الشهر الكريم وعيده إلا بهذا الحب العظيم لكفى لأصبحنا نعيش طوال أيام حياتنا في سعادة وهناء فيه يعطف الغني على الفقير ويزور السليم أخاه المريض ويعفو بعضنا عن هفوات البعض الآخر نعيش في صداقة ومحبة وتسامح بالحب الشامل المبني على القول والفعل يجعلنا نفكر في صالح الآخرين كما نفكر في صالحنا. وأسأل الله التوفيق.

واختتم هذا الموضوع بقصيدة نثرية قالها الدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي، رحمه الله وغفر الله له ولوالديه ولكافة أموات المسلمين عامة بمناسبة العيد قائلاً:

تذكرت هذا العيد..

وتذكرت أيام الطفولة..

يوم كان العيد - عيداً..

وكانت ليلة العيد - ليلة العمر..

وكانت همومنا صغيرة.. لا نكاد نراها

وكانت أفراحنا كبيرة.. لا نكاد نحملها

فرحنا بصوت المدفع..

فرحنا بالحذاء الجديد..

والثوب اللامع..

والعيدية..

ثم ماذا حدث للأعياد؟

لم يحدث للأعياد شيء..

حدثت لنا، نحن، أشياء.. وأشياء..

أصبحت أفراحنا صغيرة.. لا نكاد نراها..

وأصبحت همومنا كبيرة.. لا نكاد نحملها..

ولم يعد صوت المدفع.. يثيرنا..

ولا الحذاء الجديد.. يسعدنا

ولا الثوب اللامع.. يهزنا..

شبنا من الداخل..

فقدنا القدرة على الانطلاق..

وأصبحنا نخاف الضحك..

ونرهب الشيطنة..

تذكرتك هذا العيد..

وخلال الذكرى..

التي لم تدم سوى لحظات..

عُدت طفلاً..

يلعب مع الأطفال في الشارع ويزهو بحذائه الجديد..

فماذا فعلت أنت هذا العيد؟!!!

والله الموفق والمعين.

الرياض


 


صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد