Monday  06/12/2010 Issue 13948

الأثنين 30 ذو الحجة 1431  العدد  13948

ارسل ملاحظاتك حول موقعنا
   
     

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

           

تقاسم الخيال والبيان، إملاء رسالة كتبتها قبل نحو ربع قرن أخاطب فيها إنساناً مجهولاً زعمت فيها أنَّ آصرةً من الودِّ جمعتني به، ثم تبدَّل حاله بعد حين متأثراً ب(حمى) المنصب، و(سطوة) القوة، و(أَنَفَة) الجاه، فتفرّقت بنا السبل ذات اليمين وذات الشمال. وكنت أتابع عن بعدٍ حِراكه الرسمي والخاص، فأرثي في خاطري زمناً جمعنا على بساطِ الودِّ قبل أن تعصِف بكلينا رياح المنصب!

وقد تلقّيت عَقِب نشري للرسالة تساؤلات عدة من لدن أصدقاء، عن (بطل) تلك الرسالة، وذهب ببعضهم الشكّ حداً جعله يظنُّ أنه دون سواه المعنيّ بالرسالة، مما حملني على التعليق كتابة في فرصة لاحقة موجِّهاً حديثي إلى كل من سألني أو همَّ بسؤالي أو ساورته الرغبة في ذلك للغاية ذاتها، فقلت: «شكراً لحنانكم أيها الأحبة، أما (بطل) الرسالة فهو ليس إنساناً بعينه، لكنه كل من ينكر (هويَّة الإنسان) في ذاته، فينكره الناس»!!

كان بطل الرسالة (الخيالي) صديقاً ومسؤولاً معاً، جمعتنا الصدف يوماً على صراط الود، ثم افترقنا، وبَقِي له في خاطري شيء من ودٍّ، وشيء من حنين، وشيء من عتب، أما هو فقد ألهته نفسه بملاحقة أولويات المنصب، حتى غدا له شأن كبير، وكنت، رغم كل شيء، بذلك سعيداً!!

وتتعاقب الأيام، فيزداد الرجل نفوذاً وينمو طموحاً، فلا يعود يعبأ بمعظم رفاق الأمس، أو يعيرهم اهتماماً، صار يفتعل الصمت، فلا يتحدث إلا لِماماً، وإذا ابتسم كان كالليث الذي حذّر منه طيب الذكر المتنبي!

جعلتُ أُبدي لنفسي وأُعيد في أمر الرجل، فلا يزيدني ذلك إلا حيرةً من أمره وعُجْباً، حاولت مرّةً زيارته في مكتبه، فصددت عن ذلك صداً شبه جميل، بقصدٍ أو بدونه، لست أدري! وكتبت له أكثر من مرة حول أمور ذات اهتمام مشترك، فكان نصيبي الغفلة! بخل علي حتى بالرد!

قرّرت أخيراً أن أشكوه إلى نفسه برسالة أنشأتها والحيرة تجتاحني، فلست أطمع في ودٍّ منه ولا ردّ، بعد أن أصبح بالنسبة لي صفراً في رصيد الذكريات! لكنني شقيت بخاطر نحوه ظل يلازمني ولا بد لي من البوح به إنهاءً لحيرتي، وعقدت العزم على إكمال مهمة الرسالة، لكنني لم أرسلها إليه قط، خشية أن يكون مصيرها الوأدُ والخسران! وفضّلت بدلاً من ذلك أن أشرك قرائي الكرام في تلاوة تلك الرسالة، إدراكاً مني أن له أنداداً ممن أغرتهم فتنة المنصب، وأغوتهم نشوة النفوذ، فانقلبوا على أصحاب الأمس منكرين أو متنكرين! نسوا أن (نعمة) المنصب لا تدوم، وأنه لا يشفع للمرء في ضعف أو هرم أو بعد رحيل المنصب وأفول الجاه سوى البر والإحسان والذكر الطيب!!

نعم.. أنشأت لصديق الأمس رسالة.. وغالبت نفسي المحبطة كي أكملها وحين قرأتها لم أستطع الفرار من هاجس اللوم لنفسي، وتحوّلت تلك الرسالة إلى (موؤودة) أخرى في ذاكرة الزمن!!

مما حوته تلك الرسالة (الموؤودة) ما يلي:

(.. ما كنت أتوقع أن أكتب لك اليوم معاتباً، وما كنت أحسب أنه سيطرأ في يوم من الأيام سبب للعتاب! كنت أتمنى أن أنقل لك عتابي هذا سمعاً لا كتابة، لكن الحيرة أخرست لساني، فتعطّلت معه لغة الكلام، آثرت الكتابة إكراماً لما في نفسي لك من ودٍّ لم أخنه، وعهدٍ لم أنكره، وأرجو أن تجد هذه الكلمات في واحة حلمك متّسعاً تستريح فيه، بعد أن ذاقت مرارة الأسر في خاطري زمناً طويلاً)!

(.. لا أدري ماذا حدث من أمري معك حتى أصبحتُ نكرةً في دنياك لا تستحق منك الرد الجميل! هل تغيرت أنت أم الزمان أم أفسدت طبعك طقوس المنصب وتكاليفه، فلم تعد تملك من وقتك ذرّةً تتذكَّر من خلالها وداً!

نسيت أن لك صديقاً لم يزل يكنُّ لك شيئاً من ودٍّ رغم أشواك الجفوة التي طوّقت بها ذاتك أو فرضتها عليك ظروف لا حول لك عليها ولا سلطان!!).

إلى أن قلت:

(.. لن أطيل عليك يا صاحبي، فوقتك أغنى وأقنى من أن تنفقه في قراءة رسالة عتاب من إنسان ظنَّ يوماً أنك صديقه، وصدّق هو ظنَّه.. قبل أن يكذبه طبعك المتحوِّل، وسبحان مغيِّر الأحوال ومقلبها، وهو الخالد الأزل وما دونه يزول).

 

الرئة الثالثة
قصة رسالة إلى (مجهول)!
عبد الرحمن بن محمد السدحان

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

حفظ  

 
 
 
للاتصال بنا الأرشيف جوال الجزيرة الإشتراكات الإعلانات مؤسسة الجزيرة