Thursday  07/07/2011/2011 Issue 14161

الخميس 06 شعبان 1432  العدد  14161

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

تقاطع

 

الجزيرة تفتح ملف الليبرالية السعودية (1-2)
وتبحث عن حقيقة وجودها في المجتمع السعودي ومدى تأثيرها تنموياً

رجوع

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إعداد - محمد بن عيسى الكنعان:

قبل أشهر تسببت محاضرة عن (الليبرالية السعودية) ألقاها الدكتور عبد الله الغذامي في جامعة الملك سعود بإثارة الجدل الفكري بين مثقفين وإعلاميين وشرعيين وكتاب رأي حول حقيقة وجود ليبرالية في المملكة، ومدى تأثيرها في الحركة التنموية الوطنية، حتى انعكس ذلك على كامل المجتمع السعودي الذي راح يرقب الجدل وتداعياته الإعلامية مسترجعاً صراع التيارات الفكرية في الثمانينات من ذاكرته الجمعية حول العلمانية والحداثة مقابل الصحوة، غير أن الظروف اليوم خدمت الليبرالية فلم ُتصنّف في خانة الكفر أو ُتتهم بتبديل دين الله. (الجزيرة) تفتح ملف (الليبرالية السعودية)، من خلال استضافة الكاتب الدكتور خالد الدخيل، والكاتب الدكتور محمد الهرفي للحوار ومناقشة هذا الموضوع من عدة محاور تتطرق لمفهوم الليبرالية وطبيعتها، ومتطلباتها، ومظاهر واقعية تعكس حقيقة وجودها ومدى علاقتها بالدين وغير ذلك.

مفهوم الليبرالية

في ظل تعدد تعريفات الليبرالية واختلاف المثقفين والمفكرين حول مفهوم محدد لها، ما المفهوم المعبر عن الليبرالية وفقاً لأساسها الفلسفي، ومضامينها الفكرية، وينسجم مع تجربتها التاريخية ؟ يجيب الدكتور خالد الدخيل بقوله: (ليس هناك تعريفاً مجمع عليه بالنسبة للمفاهيم الاجتماعية والسياسية). لكنه يحتمل أن الليبرالية فيها شيء من الاستثناء لناحية أن معناها مباشر، رغم أن الفلسفة التي تقف وراءها تحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك. فيوضح: (الليبرالية ترجمة عربية لمصطلح (ليبرا لزم، أو Liberalism) وتعني الحرية والانفتاح. من ذلك التحرر من سلطة التقليد، وسلطة الرأي الواحد، أو هيمنة المستعمر. والصفة للشخص ليبرالي، وهو الذي يؤمن بحق الإنسان في الحرية: حرية التعبير، والمعتقد، والرأي، والفكر). غير أنه يُعيد المسألة إلى الأساس الفلسفي، فيتساءل: (لماذا الحرية مهمة؟ الحرية مهمة نظراً لأهمية ومركزية الفرد في المجتمع. الفرد هو العنصر الأول لتكوين الجماعة والمجتمع، والفرد هو المصدر الأساسي للمعرفة. في الماضي كان الفرد متلاشياً في الجماعة كالقبيلة أو الطائفة. وبالتالي كانت الجماعة هي موطن الحقوق! لكن المجتمع الحديث أعاد الأمور إلى نصابها، بحيث صار الفرد هو موطن الحقوق وليس الجماعة). ثم يؤكد على مسألة الفردية وعلاقتها بالحرية فيقول: (والفرد من الفرادة أو التميز، بمعنى الاختلاف. كل إنسان يختلف عن الآخر. كل فرد عنده خصائص، عنده مخزون ثقافي يختلف عن الآخر. من هنا فالتعددية مكوّن طبيعي للمجتمع، مكون طبيعي تماماً لا يمكن تجاوزه. وبما أن هناك فردية، من الطبيعي أن يكون هناك تعددية، ومن ثم اختلاف.. كيف نحافظ على هذه التعددية، ونجعلها مصدرا للثراء الاجتماعي والثقافي؟ وكيف نجعل الاختلاف علامة على الغنى والوحدة، وليس علامة على الانقسام والتشرذم؟ تكمن الإجابة في الاعتراف بواقع الفردية، وبحق الحرية للجميع. كل ذلك طبعاً في الإطار القانوني والسياسي للدولة، لأن الحرية خارج إطار الدولة أو خارج إطار القانون هي (فوضى). في المقابل يرى الدكتور محمد الهرفي أن الليبرالية ليس لها إلا تعريف واحد مرجعاً ذلك إلى المصادر الغربية فيقول: (الليبرالية ليس لها إلا تعريف واحد، وذلك بحسب المصدر الغربي الذي نشأت فيه، فهي مشتقة من كلمة Libber وهي لاتينية تعني «الحر»، وتنادي بحرية الفرد المطلقة، فللإنسان أن يفعل كل ما يشاء دون قيد أو شرط، ولن دون أن يؤذي الآخرين.. كما أنها تؤمن بحق الاختلاف مع الآخر).

طبيعة الليبرالية

هذا يقود إلى مسألة مهمة تتعلق بطبيعة الليبرالية فهل هي ذات طبيعة واحدة، أم متعددة ومتنوعة بحيث يمكن تطبيقها في أية دولة وتتكيف مع أي مجتمع؟ في الأصل هي ذات طبيعة واحدة هكذا يقول الدكتور الهرفي، موضحاً كيف تتعدد بقوله: (لكن أتباعها يحاولون إيجاد صيغ متعددة لها بحسب المجتمع الذي يعيشون فيه، ففي المجتمع المسلم يصعب الحديث المباشر عن الحريات المطلقة للفرد، خاصة الحريات المتعارضة مع الإسلام، ولكن في المجتمعات الأخرى يتم المطالبة بذلك، أو ممارسته بشكل عادي، فهم في ممارساتهم يطبقون مبدأ « النفاق» لأنه الأصلح لهم). الدكتور الدخيل بدأ رأيه بأن نقارن أولاً بين الليبرالية والإسلام أو غيره من النظم الفكرية، متسائلاً: (هل الإسلام ذو طبيعة واحدة ؟. يجيب: (على المستوى المفاهيمي المجرد نعم، المفهوم الأساس للإسلام واحد، فهو «الاستسلام لله والانقياد له بالطاعة»، وأن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وغير ذلك. لكن تطبيقاته تختلف باختلاف الأفراد والجماعات لهذا المفهوم، كل حسب رؤيته، وزمانه ومكانه، ومصلحته، جملة الاستسلام لله والانقياد له بالطاعة» توحي كأن علاقة الفرد بربه مباشرة وبشكل خالص، ومن دون وسيط. لكن الواقع هو أن هذا الاستسلام والانقياد يتم عبر مؤسسات دينية وسياسية تفسر النص، وتعطيه معان محددة، كما تراها. لذلك يكتنف هذا التعريف شيء من اللبس )، مستشهداً بقوله: (أول اختلاف في الإسلام كان في السقيفة في يوم وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم .اختلفوا على أكبر شأن وهو الشأن السياسي.. وهو ما أدى إلى ظهور الفرق والمذاهب والطوائف والدول في مختلف مراحل التاريخ الإسلامي). مضيفاً: (الليبرالية، وغيرها من المذاهب حصل لها الشيء نفسه.. فالليبرالية تجد منشأها الأساسي في بريطانيا وهولندا وبعدها فرنسا.. نشأت مع الرأسمالية، مع النهضة، مع كل التجارب الأوروبية، التي بدأت في القرن السادس عشر الميلادي. هناك ليبرالية قبل القرن التاسع عشر ونضجت في القرن التاسع عشر الميلاديين.. وهي الليبرالية التي لا تتدخل الدولة فيها بالشأن الاقتصادي.. هذه فترة.. بعدها فترة بعد عام 1929م، التي حدث فيها الانهيار المالي في هذا العام، لأن الدولة تركت السوق فكان الكساد العظيم.. فتغير المفهوم، لكن هنا تجد حرية وتجد فرد.. لاحظ المنطق الفرد والحرية، لكن كما قلت الأفراد مختلفين، فالأفراد ليسوا في نفس مستوى القوة أو المناعة الاقتصدية، ولا في نفس مستوى القوة السياسية، لذلك إذا تركت آليات السوق فإن هناك أناسا آخرين سيتورطون، فلابد أن تتدخل الدولة كي تؤمن حدا أدنى على الأقل من العدل أو عدم الظلم و حماية الناس الضعفاء، من هنا تجد تطبيقات مختلفة داخل التجربة الغربية، أي هناك تطبيقات مختلفة من الليبرالية، وبالتالي إذا كان القصد تطبيق الليبرالية في مجتمع مسلم أو أي مجتمع.. فقد ُطبقت في اليابان وكوريا والهند وغيرها، ولا ننس القاعدة أو الناموس التاريخي، وهو أنه الشعوب والمجتمعات لا تستنسخ تجارب بعضها. هذا مستحيل. الشعوب تمارس عملية تثاقف، وتبادل وتفاعل حضاريين فيما بينها).

متطلبات الليبرالية

لكن ألا يفترض لتحقيق الليبرالية في أي مجتمع أن يسبقها تأسيس فكر ليبرالي ووجود مؤسسات مجتمع مدني ؟ نظرياً يمكن قول ذلك.. بهذا يبدأ الدخيل حديثه، مستدركاً بقوله: (ولكن عندما تأتي للتاريخ، وتربط التاريخ الأوروبي في نشوء الطبقة الوسطى بالتغير الاجتماعي تجد الفكر، وهذه علاقة جدلية، هل الفكر هو الذي يعيد صياغة المجتمع، أم تغير المجتمع هو الذي يوّلد الفكر؟.الفكر هو انعكاس للواقع الاجتماعي، لا يوجد فكر يولد من فراغ، وبالنسبة للمجتمع السعودي ينبغي أن نسأل: لماذا بدأت الليبرالية تفرض نفسها في الآونة الأخيرة؟ لماذا بدأت تصبح موضوعاً على الأقل؟، هناك أناس يعترضون عليها، وآخرون يدافعون عنها، أصبحت قضية، لماذا؟. في واقع المجتمع السعودي تلاحظ ظهور دستور النظام الأساسي للحكم، هذا الدستور يتكلم عن المواطن الفرد، لا يتكلم عن قبائل ولا عائلات ولا عشائر. أيضاً التعليم انتشر بشكل هائل خاصة أفقياً، والمرأة خرجت وبدأت تحقق جزءا من الاقتصاد ولم تعد كما كانت أيام أجدادنا، هذا يعني نمو الفرد، بدأنا نتكلم عن مؤسسات في مجتمع مدني وإن كانت مرتبطة بالدولة، فهناك هيئة حقوق إنسان وغيرها، وطبقة سيدات أعمال، وكذلك التحول الهائل في الجانب الاقتصادي، وخمسة ملايين طالب في مختلف مستويات التعليم، إذاً هي تغيرات اجتماعية كبيرة تحدث)، ثم يشير الدخيل إلى مسألة معينة فيقول: (في السابق كانت كلمة ليبرالية أصلاً غربية وغير مقبولة، وكان التعامل معها كالتعامل مع المخدرات، لا تستطيع الحديث عنها أصلاً، تلك الفترة كان لها مجتمعها، وكانت لها مرحلتها التاريخية، وكانت لها تركيبتها الاجتماعية، الآن نحن في مرحلة تختلف، الآن هذا واقع فرض أطروحات وفرضيات وأفكار ومطالبات عن موضوع الليبرالية، فيه فكر ليبرالي، وفيه ثقافة ليبرالية). برأي مختلف يرى الهرفي أن ذلك مرتبط بقبول المجتمع في حال تحققت العدالة في استخدام الإعلام أو مؤسسات المجتمع المدني عند السماح بها، فيوضح فكرته بقوله: (اتفق معك في أن تطبيق فكر جديد على المجتمع يحتاج إلى تمهيد مسبق، وقد يطول هذا التمهيد بحسب القضايا التي يراد تطبيقها، والتي تتعارض مع قيم المجتمع ودينه)، مضيفاً: (مؤسسات المجتمع المدني مهمة في هذا السياق، وكذلك الاستفادة من وسائل الإعلام المتنوعة، ولأن الليبرالية فيها ما هو صالح وما هو غير ذلك، فإن أبناء المجتمع سيصبحون قادرين على التعاطي مع القيم اتي يؤمنون بها ورفض ما لم يؤمنوا به.. شرط أن يكون هناك عدالة في استخدام الإعلام، وكذلك مؤسسات المجتمع المدني في حالة السماح بها).

كيفية تحقيق الليبرالية

ما سبق يقود إلى سؤال مهم يرتبط بالليبرالية من حيث علاقتها بالسلطات، فكيف يمكن تحقيق الليبرالية في مجتمع محكوم بتأثير السلطات الثلاث الاجتماعية والدينية والسياسية؟ الدكتور الهرفي يحدد هذا التحقيق بطبيعة المجتمع نفسه، فيجيب: (إذا كنت تعني بسؤالك تطبيقها في السعودية فإنا أعتقد استحالة ذلك، خاصةً في المنظور القريب لتعارض الكثير من مبادئها مع الدين والسياسة، أما في غير مجتمعنا السعودي، أي في البلاد العربية فالمسألة أسهل، ولكن ليس على إطلاقها أيضاً، فالوضع السياسي يرفض قبول كل الفكر الليبرالي عملياً، قد يرحب به نظرياً، لكن الأقوال تختلف عن الأعمال). أيضاً بدأ الدكتور الدخيل إجابته بطبيعة المجتمع وتركيبته، غير أنه لا يجدها عائقاً مستشهداً بحالة الرأسمالية، فيقول: (إذا كنت تقصد أن التركيبة السياسية والدينية بالبلد لا تسمح بالليبرالية، فلدينا مثال الرأسمالية. حتى الآن في كتب التوحيد النظام الرأسمالي يُكفّر، ويُعتبر من النظم الكفرية، مع ذلك الرأسمالية موجودة ودخلت في حياتنا، ولو تكلمنا قبل مجيء الملك عبدالعزيز ودخوله الرياض هل كان من الممكن تطبيق فكرة الرأسمالية؟ طبعاً في تلك المرحلة غير ممكن. ليس لأنها مستحيلة بدلالة أنها طبقت لاحقاً، وليس في الإسلام اعتراض جذري على الرأسمالية، لأنه يقر بالملكية الخاصة، والملكية الخاصة جزء أساسي في الفكر الإسلامي). كما أن الدكتور الدخيل يشير مرة أخرى إلى مسألة الحرية أساساً، فيقول: (هل الإسلام يُجيز الحرية؟ نعم الإسلام يُجيز الحرية بدليل قوله: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}.. هذه الآية تقول إن الاختلاف والتعددية في المجتمع تعبير مباشر عن مشيئة الله. هذا منطوق الآية. لذلك ما يشير إليه السؤال هو قراءة معينة للإسلام لا تؤمن بفكرة حرية التعبد والرأي وحتى المعتقد. وهذا رأي معتبر، وينبغي احترامه، لكنه ليس الرأي الوحيد، وليس الرأي الأصح في قراءته للنص. هناك آيات أخرى تؤكد فكرة الحرية هذه، كقوله تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}.. {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ}، ثم يوضح بشكل أدق بقوله: (نعم في هذه المرحلة قد تبدو المسألة صعبة. وهذا طبيعي. ربما أن الإشكالية تكمن في كلمة الليبرالية، وأنها كلمة مأخوذة من الثقافة الغربية. لكن القيم الأساسة في هذه الليبرالية، هي قيم سابقة للغرب، هذه قيم ومعطيات إنسانية وجدت في كل المجتمعات، ميزة الغرب أنه أخذ هذه المشتركات الإنسانية، وصاغها في معادلة سياسية اقتصادية معينة، ونحن لدينا شعور بالنقص، فكل شيء يأتي من الغرب نرفضه.. لماذا هذا الرفض؟ رغم أننا نأخذ كل شيء منه! الأدوية والطائرات والسيارات وغيرها من الغرب، فكرة الأسواق من الغرب، نظامنا التعليمي حسب الطريقة الغربية، نحن نأخذ من الغرب كما هم أخذوا منا. ونحن كذلك أخذنا من الهنود والصين والرومان والإغريق أشياء كثيرة.، وبالتالي الفكرة الأساسية أن الليبرالية بمضمونها وقيمها ليست غربية. لكن يبقى الأهم هل الحرية قيمة إنسانية أم لا ؟ هل التعددية والاختلاف مكون طبيعي للمجتمع الإنساني أم لا).

مظاهر الواقع الليبرالي

في هذه الحالة.. إذا كانت قيم الليبرالية في أساسها إنسانية لأنها تدور حول الحرية، وأنه بالإمكان قبولها اجتماعياً كما يرى الدكتور الدخيل، ما هي أبرز المظاهر التي يمكن أن تعكس واقعاً ليبرالياً في المملكة؟

خالد الدخيل يعتبر كل التغيرات الاجتماعية مؤشرات على وجود بنية تحتية اجتماعية ثقافية فكرية ليبرالية، بل يرى أنها تؤكد بروز فكرة الفرد، وبداية انفصال الفرد عن المكونات الاجتماعية الطبيعية.. كالقبلية والعائلية.. إلى آخره، أما المظاهر فيقول: (أشرت لهذه التغيرات، لاحظ مثلاً أن التوظيف حسب القرابة أو المحسوبية أصبح يعتبر شكلاً من أشكال الفساد. أمر معيب. بروز صوت المرأة.. وهذا لأول مرة يحدث في المجتمع السعودي، المرأة بدأت تتكلم في المنابر العامة وتطالب بحقوقها وحريتها، ولا تنسى ما ذكرته عن كتاب الدستور، والمطالبة بالإصلاح، وحقيقة أن الاقتصاد السعودي يستند إلى مبدأ حرية السوق. كل ذلك يؤكد بروز فكرة الفرد، وهذه تقود إلى وجود تيار ليبرالي). غير أن محمد الهرفي يعارض ذلك مؤكداً طبيعة الدولة فيقول: (المملكة العربية السعودية -إجمالاً- ما زالت ترفض الفكر الليبرالي على إطلاقه، فالحرية مطلب اجتماعي لكن ليس على طريقة الفكر الليبرالي الذي لا يجعل له سقفاً محدوداً مثل ذلك الحريات الدينية)، كما يوضح: (صحيح أنه لا إكراه في الدين، ولكن صحيح أيضاً - أنه لا يجوز للإنسان أن يتحول من هذا الدين إلى ذاك، ثم ينقلب بعد ذلك من دين لآخر وهكذا)، معتبراً أن المؤشرات أو التغيرات قضايا عامة يشترك فيها غير الليبرالي، فيقول: (ولهذا أقول إن ما يبرز في المملكة من مظاهر الفكر الليبرالي قليل، مثل المطالبة بحرية المرأة في العمل في أي مكان، أو قيادة السيارة، أو الهجوم -غير المبرر- على القضاء وهيئة الأمر بالمعروف..وبعض هذه المطالبات يشترك فيها من يدعي الفكر الليبرالي ومن لا يدعيه باعتبارها قضايا عامة).

واقع الليبرالية السعودية

في ضوء الاختلاف حول التغيرات الاجتماعية باعتبارها مؤشر لتأثير ليبرالي، فإن السؤال يفرض السؤال نفسه: هل وجود الليبرالية في السعودية متحقق بشكل تيار فكري أم مجموعة نخبوية أم مجرد أفراد؟ الدكتور الهرفي يرى الليبرالية إدعاء في السعودية، من خلال إجابته التي يقول فيها: (في السعودية تيار يدعّي الليبرالية، ولكن معظم هذا التيار غير صادق في دعواه، ويبقى أفراد قلائل الأفكار تراهم، هؤلاء يؤمنون بما يقولون بحسب الفكر الليبرالي الذي انطلقوا منه). أما الدكتور الدخيل فيخالف تماماً، مؤكداً وجود تيار ليبرالي، يقول في ذلك: (وجود الليبرالية متحقق بشكل تيار، ولكنه تيار يعاني، وبالتأكيد ليس تياراً مهيمناً، هو تيار موجود له كُتابه، له مثقفوه، له أصوات تعبّر عنه، لكن لابد من التنويه إلى مسألة مهمة، وهي أن الليبرالية ليست محصورة بالأسماء التي تظهر في وسائل الإعلام، فهناك من يؤمن بالفكرة الليبرالية وقد لا يكون كاتباً أو مثقفاً، قد يكون طبيباً، مهندساً، طالباً، مدرساً وغير ذلك.. بل إن ردود الأفعال والتعليقات على المقالات التي تنشرها الصحف تدل على وجود آخرين يعلقون على ما كتبت.. فهذا يهاجم وآخر يؤيد، ما يعكس وجود الليبرالية).

الليبرالية والمساحة الإعلامية

في إطار إجابة الدكتور الدخيل، خاصةً الجزئية المتعلقة بالحضور الإعلامي، الذي يراه معبراً عن وجود ليبرالي، هناك من يرى أن المساحة الإعلامية المتاحة لبعض الكتاب المتأثرين بالفكر الغربي -إن صح التعبير- على حساب التيار الديني يعطي انطباعاً سرابياً عن ذلك الوجود الليبرالي.. كيف يعلق الضيفان؟ خالد الدخيل يبدي اعتراضاً منهجياً في بداية إجابته قبل التوضيح فيقول: (أولاً جملة المتأثرين بالفكر الغربي المذكورة ضعها بين قوسين، لأني اعتبرها جملة عدوانية!! بسبب دلالتها في السياق، فكما قلت سابقاً، نحن نأخذ كل شيء من الغرب ونعيش على منجزاته، وفي نفس الوقت نهجو أي واحد يستفيد من الغرب، ومن يمارس الهجاء هو أيضاً يستفيد من الغرب، لكن الفارق أن من يستفيد يعترف بذلك)، ثم يحدد في مسألة الاستفادة من الإعلام خاصةً الإعلام الرسمي، بقوله: (وبالتالي الكلام المذكور في السؤال غير صحيح، الإعلام متاح ومفتوح للجميع، ولو أخذنا الإعلام الرسمي -تحديداً- فهو متاح للخطاب الديني أكثر من ما يسمى بالخطاب الليبرالي، لكن على ضعف الليبرالية، أو ضعف التيار الليبرالي إلا أنه تحول إلى موضوع، وأصبح الشغل الشاغل حتى للمؤسسة الدينية نفسها). خلاف ذلك يذهب محمد الهرفي مؤكداً أن الليبراليين يسيطرون على الإعلام، معتبرهم دكتاتوريين في تعاملهم بالنسبة للحرية الإعلامية الممنوحة للجميع، فيقول: (هذا صحيح، فمعظم وسائل الإعلام السعودية، التي تنطلق من الخارج يسيطر عليها من يُظن أنهم ليبراليون، والحقيقة أنهم يمثلون الدكتاتورية في أبشع صورها، والحقيقة -أيضاً- أنهم يقتلون الحرية التي ينادون بها، فالذي ينظر إلى المشهد من بعيد يحسب أن التيار الليبرالي هو السائد على وسائل الإعلام، لكن الذي يقترب أكثر يُدرك حجم المأساة التي تنتج عن ذلك الواقع البائس!). للحوار بقية في الجزء الثاني..

 

رجوع

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة