Monday 31/10/2011/2011 Issue 14277

 14277 الأثنين 04 ذو الحجة 1432 العدد

  
   

زوايا

متابعة

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

وحدة وطن

 

رحل الأمير سلطان ولم ترحل حسناته
كتبه -محمد بن ناصر العبودي

رجوع

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كانت أول مرة رأيت فيها الأمير سلطان، بل جلست معه في مكتبه، قبل كتابة هذه الكلمات بستين سنة.

كان ذلك في شهر صفر عام 1372هـ، وكنت مع شيخنا الشيخ عبدالله بن محمد بن حميد - رحمه الله وجزاه عنا خيراً - الذي قال: سوف نزور الأمير سلطان بن عبدالعزيز، أمير الرياض، في مكتبه بالإمارة. وزرناه بالفعل فاستقبل الأمير سلطان الشيخ عبدالله بن حميد عند باب مكتبه، واحتفى به، وكنت مع الشيخ، ومعنا أيضاً الشيخ علي بن عبدالعزيز العجاجي، ولكن ليست لنا أية صفة، وإنما كنا تابعين للشيخ عبدالله بن حميد.

كنت أتأمل الأمير سلطان وأتأمل مكتبه، بل أتأمل كل شيء في المكتب.

وأذكر أنني وأنا أتأمل الأمير سلطان في مكتبه أسارع في ذلك، وكأنني لا أظن أنني سوف أراه مرة أخرى، ولم أدر أنه سيأتي يوم أعمل فيه تحت رئاسته المباشرة لمدة سبع سنين.

فقد أصبحت وظيفتي في عام 1393هـ اسمها (الأمين العام للدعوة الإسلامية وأمين الهيئة العليا للدعوة).

والهيئة العليا للدعوة من حسنات الملك فيصل - رحمه الله -؛ فهو الذي أنشأها، ووافق على أن أكون أمينها العام، وكان رئيسها آنذاك صاحب المعالي الشيخ محمد الحركان وزير العدل.

وعندما توفي الملك فيصل - رحمه الله - في عام 1395هـ، واستقالت الوزارة القائمة التي كان فيها الشيخ محمد الحركان وزيراً للعدل، كان لا بد من شخص قوي يرأس الهيئة العليا للدعوة لأهميتها؛ فعرضت على صاحب السماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز، على أن يكتب لسمو ولي العهد آنذاك الأمير فهد بن عبدالعزيز بأن يكون (رئيس الهيئة العليا للدعوة الإسلامية) هو صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز آل سعود، فقال لي الشيخ عبدالعزيز بن باز: أتظن أن الأمير سلطان يوافق على ذلك وهو رجل عليه مسؤوليات كبيرة كثيرة رسمية وغير رسمية؟

فقلت: أرجو أن يقبل.

وبالفعل أعددت كتاباً من الشيخ عبدالعزيز بن باز الذي كانت وظيفته آنذاك الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وكانت الهيئة العليا تتبعه من الناحية المالية والإدارية.

وقابلت الأمير سلطان بن عبدالعزيز في مكتبه في وزارة الدفاع وسلمته الكتاب، وشرحت له الموضوع، وأذكر أنه رحب بذلك، بل قال بصيغة القسم الجازم: والله يا أخ محمد إني أود أني أعمل للدعوة الإسلامية متفرغاً.

وأبدى قبوله لرئاسة الهيئة العليا للدعوة، ووافق سمو الأمير فهد بن عبدالعزيز - رحمه الله - على ذلك بصفته ولياً للعهد قائماً بتصريف أعمال الدولة آنذاك، أي آخر عام 1395هـ.

وبذلك صار سمو الأمير سلطان رئيسي المباشر لمدة سبع سنين.

كنت آتي إلى مكتبه بدون موعد مسبق؛ لأنني أعتبر من العاملين فيه؛ فأعرض عليه المعاملات، وأتلقى ما يأمر به عليها وأنفذه.

ولا أذكر أنه ولا مرة واحدة عنَّفَني، أو أغلظ في كلامه، وحتى موظفو مكتبه لم أره عنف أحداً منهم أن كلمه بغضب ولا مرة واحدة.

صحيح أنهم كانوا يحبونه ويحترمونه، ولكن العمل هو العمل.

وتجلت لي طبيعة الأمير سلطان المحب للخير الذي يتبادر أول ما يتبادر إلى الذهن أنه يبحث عما يسر من يحادثه أو يتكلم معه، وإذا لم يكن ذلك فإن أعظم شيء ألا يظهر له غضباً أو شدة.

أذكر من ذلك أنه إذا كانت لجنة من الوزراء تبحث شيئاً مما يتعلق بعملنا كان يقول: دعهم يوقعون قبلي؛ لئلا يتأثروا إذا وقعت قبلهم فيوقعون، وأنا أريد أن أرى رأيهم.

وكان صبوراً على العمل، جلداً عليه، لا يكل ولا يمل، وقد عرفت ذلك عنه بنفسي، وكان مدير مكتبه آنذاك الفريق عبدالله الطاسان قد حدثني بأنهم كانوا يستمرون في العمل مع سمو الأمير سلطان في مكتبه في بعض الأحيان من الصباح إلى ما بعد العشاء إذا وجدت أعمال مهمة تقتضي ذلك. فكان الأمير سلطان إذا جاء وقت الغداء يقول: هاتوا الغداء في المكتب فنتغدى معه فيه، ثم نستمر في العمل بالمكتب إلى ما بعد صلاة العشاء، فتكون هناك أوراق تحتاج إلى عمل فيطلب العشاء في المكتب.

وأذكر أنني سمعت صاحب السمو الأمير سلطان مرة أنه قال: لبست مشلحي في أحد الأيام في الصباح عندما أردت الذهاب إلى المكتب، ولم أخلعه إلا بعد العشاء لمواصلة العمل واللقاءات إلا في وقت الوضوء للصلاة.

ولم يكن الأمير يخص بعطفه ومعاملته الممتازة أحداً من الذين يأتون إليه دون أحد.

أذكر أنني كنت أتيت إلى مكتبه معي بعض المعاملات قبل صلاة الظهر فأخبرني مدير المكتب بأن عنده بعض الاجتماعات المهمة.

ولما صليت معه صلاة الظهر في المصلى الموجود في مكتبه دخلت إليه وأنا أحمل الأوراق والمعاملات ولم يكن عنده في مكتبه غيري، فلما أخذ الأوراق وبدأ قراءتها رنَّ جرس الهاتف في مكتبه فرفع السماعة، وقال:

نعم، سيدي.

فقلت في نفسي من هذا الذي يخاطبه الأمير سلطان بلفظ سيدي؟

ولما انتهت المكالمة التفت إليَّ وقال: هذا الأمير مشعل عازم الملك خالد في مزرعته بالدرعية، أو قال في عرقة، ويؤكد علي المجيء الآن.

ولم يكد يكمل كلامه حتى رنَّ جرس الهاتف مرة أخرى فرفع السماعة وقال:

نعم مولاي!

وهذه المرة سارع الأمير سلطان يقول لي: هذا الملك خالد يطلب مني أن آتي الآن إلى دعوة الأمير مشعل على الغداء ولا أتأخر فخذ أوراقك واعرضها غداً ثم أسرع يغادر المكتب.

وكان الأمير سلطان قريباً من الخير، لا أذكر أنني عرضت عليه شيئاً من مساعدة المسلمين في الخارج أو من رجاء المساعدة لسعوديين إلا أسرع الاستجابة له، ولم يخب ظن من يطلب منه المساعدة.

وعلى ذكر لطفه في معاملته أذكر أنني كنت مرة في مكتبه ودخل رجل من كبار القوم، ومعه اثنان كبار، وقال للأمير سلطان:

أرجو تأمر، أو قال: تتوسط لولدي يخرج من السجن؟

فاحتدَّ الأمير سلطان وقال: ولدك أساء وأصدر القاضي عليه حكماً شرعياً، أتريدني أن أنقض الحكم الشرعي؟ أتراني أبطل مفعوله؟ وما زال يكرر مثل هذه العبارة عليه حتى سكت الرجل ومن معه، وخرج من مكتب الأمير.

وقد استمر عملي تحت الرئاسة المباشرة للأمير سلطان بن عبدالعزيز وهو رئيس للهيئة العليا للدعوة الإسلامية وأنا أمين الهيئة حتى توفي الشيخ محمد الحركان، وكان آنذاك في وظيفة الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، وكانت وفاته في 9 رمضان من عام 1403هـ فأرسل إلي الأمير سلطان برقية مؤداها:

«حسب أمر جلالة الملك اعتمدوا العمل في وظيفة الأمين العام المساعد للرابطة».

وقد انتقلت فوراً للرابطة، وانتهى عملي في الهيئة العليا، ولكن عمل الخير الذي كان يسديه الأمير سلطان لم يتغير، بل زاد واستمر؛ حيث كان الناس الذين يعرفون صلتي بالأمير سلطان يطلبون مني أن أشفع لهم عنده بالمساعدة المالية أو بالإلحاق بالمستشفيات فكان -رحمه الله وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيراً - يبادر إلى نفع إخوانه المسلمين ومساعدتهم فيما يطلبونه.

وكم من كربة نفَّسها! وكم من معسر وسَّع عليه، وكم من مريض أمر بعلاجه على نفقته فشفاه الله على يديه.

ولو أحصيت ذلك لأخذ مجلدات، ولكنني عرفت أن هذه سجية الأمير سلطان، وليست مقتصرة على ما أشفع به عنده، وقد حدثنا أحد كبار مكتبه الخاص وهو الأخ بندر الشلهوب وقال:

قال لنا الأمير سلطان: أنا أحب أن أساعد كل من يحتاج إلى مساعدة، وأحب ما إليَّ أن يشفع عندي من أثق بصحة كلامه وصحة حاجة المحتاج.

وقال: أنا أُسَرّ إذا طلب مني رجل أعرفه مساعدة للآخرين، ولا أتوقف في ذلك.

وهكذا استمر - رحمه الله - حتى وافاه الأجل المحتوم بعد أن عاش عيشة مجد وكرامة، وكان في عمره محبوباً من الخاص والعام، باذلاً جهده لمسرة الجميع.

رحم الله الأمير سلطان بن عبدالعزيز، وجزاه عن الجميع خيراً.

 

رجوع

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة