ارسل ملاحظاتك حول موقعنا Monday 05/11/2012 Issue 14648 14648 الأثنين 20 ذو الحجة 1433 العدد 

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

في بداية هذا الشهر سعدت بزيارة القاهرة مدة ثلاثة أيام.. وفي انتظار إقلاع طائرة الخطوط السعودية من مطار تلك المدينة؛ عائداً إلى الرياض، وجدت مجلة دنيا الطيران، فسعدت بقراءة مقالة فيها عنوانها: “أكتوبر وأيام لا تنسى”..

***

من إعداد الأستاذ نبيل هاشم؛ وقد تَحدَّث فيها عن حرب أكتوبر (العاشر من رمضان) ومُقدَّماتها، وسير أحداثها، ونتائجها؛ مُركِّزاً على الجبهة المصرية دون ذكر للجبهة السورية.. والحديث عن الموضوع يطول ويطول.

لقد كانت من نتائج حرب 1967م أن أكمل الكيان الصهيوني احتلاله لفلسطين، بل وزاد على ذلك احتلاله لأجزاء من سوريا ولبنان.. على أن زعماء العرب -وفي مُقدَّمتهم الملك فيصل بن عبدالعزيز والرئيس هواري بومدين والرئيس جمال عبدالناصر، الجريح من هول تلك الحرب- برهنوا على بقاء روح إرادة لديهم، وصدر عن مؤتمر الخرطوم، الذي عقد ذلك العام، ما صدر من موقف له احترامه وتقديره. وكان رسوخ الاقتناع لديهم بأن الصهاينة لا يؤمنون حقيقة بالسلم؛ بل يزدادون شراهة عدوانية هو ما عَبَّر عن مضمونه قول الرئيس المصري حينذاك؛ وهو أن ما أُخِذ بالقوة لا يستعاد إلا بالقوة. ولَعلَّ مما يَدلُّ على التصميم في إثبات القول بالفعل هو القيام بما سُمِّي حرب الاستنزاف، التي استمرت مستعرة ثلاث سنوات، والتي أبدى فيها المصريون بطولات عظيمة، وكان من أعظم من استشهد فيها قائد الأركان عبدالمنعم رياض، رحمه الله.. ولو لم يكن من وجوه نجاح جيش مصر البطل إلا تدمير المُدمِّرة الصهيونية إيلات، وبناء حائط صواريخ لمنع الطائرات الصهيونية من انتهاك المجال الجوي المصري، لكفيا دليلاً على عظمته وكفاءته. وما كانت تلك الحرب البطولية؛ استعداداً وتدريباً وتنفيذاً، إلا القاعدة الصلبة التي أسَّست لحرب أكتوبر عام 1973م؛ وهي الحرب التي أثبت فيها المقاتل العربي عظمته؛ بسالة وكفاءة.

لقد تَحدَّث الأستاذ نبيل هاشم في مقالته عن حرب الاستنزاف حديثاً وافياً جميلاً. ثم تَحدَّث عن حرب أكتوبر، التي جعل عنوانها الشامل “زلزال العبور في أكتوبر هَزَّة عنيفة للإسرائيليين (الصهاينة). ومما ذكره بصدق ما أظهرته الإدارة الأمريكية من عداوة لأُمَّتنا؛ وذلك بعمل جسر جوي لنقل أسلحة مُتطوِّرة فَتَّاكة إلى الكيان الصهيوني نجدة له وإنقاذاً له لما أحاط به من خطر. ومن المعلوم أن ذلك كان مما شَجَّع الصهاينة على المجازفة بالعبور من خلال الدفرسوار إلى غرب القناة، ثم ما حدث من دور لكيسنجر أَدَّى إلى توقيع ما وُقِّع عليه في الخيمة 101.

على أن الأستاذ نبيل هاشم تلا الحديث عن حرب أكتوبر -أو زلزال العبور بما سَمَّاه” زلزال السلام في 77 أفاق إسرائيل من غيبوبة الحلم الكاذب إلى الواقع والحقيقة”. وإذا كان كلامه عن حرب أكتوبر مقبولاً على العموم -وإن لم يرد فيه ذكر للجبهة السورية- فإن حديثه عن الذي حدث في عام 1977م بعيد عن الصحة لدى كثير من أبناء أُمَّتنا.

ولقد حاولت التعبير عن رأيي في حرب 1973م؛ وذلك في قصيدة على لسان مقاتل من الجبهة المصرية عبر أربع رسائل بعثها إلى أُمِّه. وقد عَبَّر ذلك البطل عن ألمه لبقاء الجبهة مع العدو المحتل هادئة؛ مختتماً تلك الرسالة بقوله:

أُمِّي تَبرَّمت من ذُلِّي ومن دَعَتي

وهَاج في دمي الإيمانُ والثارُ

ولم تَعُدْ فَلسفاتُ الصَّمتِ تَخدعُني

وإن تصغهن “أهرام” و “أخبار”

تَعاقُب السنواتِ السِّتِ أَوضح لي

ضَلال من جَنَحوا للسِّلم واختاروا

وأَن تحرير أَرضي لا تُحقِّقه

إلا دِماءٌ سقتها الأَرضَ أحرار

أما الرسالة الثانية، التي بعثها ذلك البطل إلى أُمِّه من الجبهة، فَتحدَّث فيها عن الأوامر التي جاءت إليه مع زملائه مبشِّرة بأن يعبروا القناة، وأنهم تسابقوا لعبورها:

وتعاهدوا أن يستمر كفاحهم

حتى يعيدوا أرضهم ويُحرِّروا

ويُطهرِّوا القدس الشريف من الأُلَى

هدموا تراث المسلمين دَمَّروا

وأما الرسالة الثالثة فهي:

عَبَر القناة مُظفَّراً وتَقدَّما

جَيش تبارك زَحف موكبِه السَّما

أُمَّاه لم تَعُد الحواجزُ مانعاً

عَبَرت مواكبنا الحواجزَ بالدِّما

والخَطّ! أين حديث من غَنَّوا به

دهراً؟ على أيدي الأُباة تَحطَّما

والجيش! أَين القائلون بِأَنَّه

أُسطورة كبرى؟ حنا واستسلما

أُمَّاه أَين الشَّامتون بِأُمَّتي؟

دُحِروا.. هَوَى ما رَوَّجوا وتَهدَّما

وتَبيَّنوا أَنَّ العروبةَ أُمَّةٌ

لن يستكين إباؤها أو يُهزَما

لما دَعا دَاعي الجهاد تَسابقتْ

للسَّاحِ مُفعمةً حماساً مُضرَما

تَضعُ الفداءَ إلى الخُلودِ وَسيلةً

والتَّضحياتِ إلى الكَرامةِ سُلَّما

أُمَّاه أَين السَّاخرون؟ طلائعي

تَركتْ نَعيقهمُ المُردَّد أَبكما

وتَساؤلات المُغرِضين! تَبدَّدت

لَقيتْ بسيناءَ الجَواب المُفحِما

وعلى رُبَى الجولان تكتَب أُمِّتي

في صفحة التاريخ مجداً أعظما

لَهبٌ تُفجِّره أكفُّ أباتها

فتحيل فردوس اليهود جَهنَّما

الآن يا أُمِّي أُعيدُ كَرامتي

أَقضي على ذُلِّي قَضاءً مُبرَما

وغَداً ربوع القدس تُصبحُ حُرَّة

والمسجدُ الأقصى عَزيزاً مُكْرَما

وبقدر ما كانت الرسالة الثالثة متفائلة تُصوِّر النجاح البطولي الذي تَحقَّق، وتَعد بأن الأراضي المحتلة -وفي مُقدَّمتها القدس ومسجدها الأقصى- ستصبح حُرَّة كاد يبعث الرسالة الرابعة المُعبِّرة عن خيبة أمله، مُصِّوراً حزنه العميق على ما انتهت إليه الأمور من توقيع على ما وُقِّع عليه في خيمة بالكيلو 101 غرب قناة السويس باتِّجاه القاهرة. فكان مما قاله في تلك الرسالة:

تَوقَّفت طلقاتُ النَّار.. عاد إلى

مَجاهلِ الصَّمتِ صَوتٌ ضَجَّ واحتدما

والقدس ما زال مُحتَلٌّ يُدنِّسها

وغَاصبٌ في حِماها يَرفعُ العَلَما

وعُدتُ أَبحث عن حَلٍّ يُقدِّمه

من صَبَّ فَوقَيَ من ويلاتِه ضَرَما

وعن وَثيقةِ تَخليصٍ أُقدِّمها

في خَيمةٍ جرحت من أُمَّتي الشَّمَما

ولَعلَّ مما يلفت النظر في موقف ذلك البطل من الجيش المصري أنه جعل تحرير القدس هو الأساس الأهم. وهذا كان -وما زال- شعور أغلبية أُمَّتنا.

كانت بداية انهيار الموقف ما حزن عليه ذلك المقاتل البطل على الجبهة المصرية. وبعد أربعين عاماً من تلك الحرب الرمضانية المجيدة في بدايتها المُخيِّبة للآمال في آخرها ما ذا نرى؟ ما سَمَّاه الأستاذ نبيل هاشم زلزال السلام، قال عنه عدد من زعماء الكيان الصهيوني: إنه لم يَقلَّ عَظمةَ نجاحٍ لذلك الكيان عن قيامه عام 1948م. فنجاحه في خروج مصر، أو إخراجها، من ميدان المواجهة معه كان من نتائجه -وهي كثيرة- خروج الأردن باتِّفاق سلام مع الكيان الصهيوني؛ بل وإقامة شراكة اقتصادية في بعض الوجوه؛ تماماً كما فعلت مصر السادات وخليفته. وتتابع مسلسل التنازلات ليشمل المُتنفِّذين من الفلسطينيين، فيقدمون على ارتكاب اتِّفاقية أوسلو، التي من بنودها ما تَضمَّن أن يكون المُوقِّعون عليها من الفلسطينيين أشبه بحراس للصهاينة ضد أَيِّ عمل يُعكِّر أمزجتهم. وبلغ التنكُّر لمبادئ حركة فتح المقاومة درجة جعلت من بعض قادتها الآن من كانوا يبيعون الإسمنت ومواد البناء الأخرى للصهاينة لبناء الجدار العنصري في الضفة الغربية.. بل إن من هو على قمة الهرم أجرى مقابلة قبل ثلاثة أيام مع قناة صهيونية، وقال: إنه ليس من حقه أن يسكن في الأرض التي احتلها الصهاينة قبل عام 1967م. ومضمون ذلك -وقائله على قمة الهرم الرسمي- إلغاء حق العودة للفلسطينيين.

أما الفاجعة الكبرى فإن الجيش الذي قال عنه المقاتل البطل على الجبهة المصرية، عام 1973م، إنه كان يكتب مجداً لأُمَّته في الجولان، ويحيل فردوس اليهود جَهنَّما هو الآن -بعد أربعين عاماً من تلك الكتابة- يُلطِّخ صفحة تاريخه بالعار؛ إذ يُخرِّب بيوت شعبه بقنابل الطائرات وكل أدوات التدمير إضافة إلى تقتيل ذلك الشعب؛ رجالاً ونساء، شيوخاً وأطفالاً.

كشف الله الغُمَّة عن هذه الأُمَّة.

 

رواية عن حرب أكتوبر غير مكتملة
د.عبد الله الصالح العثيمين

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

حفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة