ارسل ملاحظاتك حول موقعنا Sunday 11/11/2012 Issue 14654 14654 الأحد 26 ذو الحجة 1433 العدد 

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

بقدر ما سعد عامة اليمنيين، بذلك النجاح الباهر الذي تم به تطبيق (المرحلة الأولى) من المبادرة الخليجية المزمَّنة.. رغم طول أجندتها وقصر مدتها (تسعون يوماً)، بعد أن رأوا نتائجها وهي تنعكس على أرض الواقع بصفة عامة، وعلى حياتهم اليومية بصفة خاصة: هدوءاً واستقراراً، نسبياً.. مكنهم - ولو نسبياً..

أيضاً - من الاطمئنان على أرواحهم وممتلكاتهم والعودة إلى حياتهم الطبيعية في بؤر الاشتعال على وجه الخصوص في كل من صنعاء وتعز وأبين وشبوه، إلا أنهم قلقوا - بالتأكيد - من ردة الفعل الأولى التي استقبل بها بعض خاصة المعارضة في (الحراك) و(المشترك).. على ذلك الخطاب الزاهد والمتسامح والمطمئن والمحسوب الذي افتتح به الرئيس (عبد ربه منصور هادي) رئاسته المؤقتة.. في أول يوم من أيامها، وهو يعبر (عن الأمل.. في أن نجتمع بعد عامين في هذه القاعة لنودع قيادة ونستقبل أخرى)، معلناً أمام مجلسي الأمة (الشعب والشورى) عن انتهاء (المرحلة الأولى) من المبادرة، والانطلاق نحو تطبيق (المرحلة الثانية) منها، والتي يتصدرها موضوعا: (الحوار الوطني الشامل) بمشاركة كل الأطراف والفعاليات اليمنية.. لبحث آليات، وضوابط العمل السياسي، والوطني، والتنموي في (الجمهورية اليمنية) بما يحقق ديمقراطية القرار السياسي، والمشاركة في مسؤولياته، والمساواة في تنمية المحافظات.. على قدم واحدة، و(إعادة هيكلة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الأخرى).. ليصبح للجمهورية اليمنية جيش وطني واحد، لا ولاء فيه.. إلا لـ “الوطن”، ولا مسؤولية فيه.. إلا مسؤولية الدفاع عن أرضه وثغوره، وجهاز أمني واحد: ليحفظ أمن المواطنين وسلامتهم وفق (القانون) و(دستور) الجمهورية الجديد.. عندما فوجئ الرئيس عبد ربه وعامة اليمنيين.. بعد أيام، بـ (رفض) من اغتصبوا (تمثيل) الجنوب - أو شروه - المشاركة في ذلك الحوار (ما لم يكن هذا الحوار بين “دولتين”.. هما: دولة “الجنوب” ودولة “الشمال”، وعلى أرض “محايدة”، وبضمانات “دولية”..) إلى آخر تلك الهرطقات التي تثير الضحك والاشمئزاز.. بأكثر مما تلفت انتباه العقلاء واحترامهم، وقد زاد من طينة ردة الفعل الأولى هذه.. بلَّة، قول أحدهم بجرأة يحسد عليها (من المعيب أن يجلس الجنوبيون إلى جانب الحوثيين على مائدة حوار واحدة، وتتساوى قضية صعدة مع القضية الجنوبية التي هي قضية محورية ورئيسية وعادلة).. ولم يبق إلا أن يقول بأنها (مقدسة)!! كما ذكرت في أحد مقالاتي السابقة عن هذه المعضلة اليمنية (المصطنعة).

على أن هذا السواد من عامة اليمنيين.. ربما رأى في ردة الفعل الأولى لهذه القلة من معارضي (الحراك)، ومن سايروهم من (المشترك) على خطاب الرئيس عبد ربه بـ (رفض) دعوته للانطلاق نحو تطبيق (المرحلة الثانية) من (المبادرة).. بأنها ليست بأكثر من انفعالات فورية غاضبة، وربما (حاقدة).. على نجاح تطبيق المرحلة الأولى من المبادرة الخليجية، التي ربما تمنى بعضهم عدم نجاحها.. حتى وإن وقعوا عليها، وتحاضنوا مع أعضاء (حزب المؤتمر) الحاكم.. بعدها!! وأن كل شيء سيتغير بعد ذلك، وأن ما قيل في (فبراير) الماضي.. من تلك الهرطقات سوف لن يصمد، ولن يتكرر في أكتوبر أو نوفمبر.. عندما يتحدد (موعد) الحوار الوطني المفترض إجراؤه في النصف الأول من عامي رئاسته، وتوجيه (الدعوة) إلى أطرافه.. من قِبَل (اللجنة) التي يترأسها مستشار الرئيس للشؤون السياسية الدكتور عبدالكريم الإرياني.

***

لكن يبدو أن هؤلاء اليمنيين الأصلاء.. المؤمنين باليمن الواحد، والسعداء بـ (ركوب) قارب نجاة (المبادرة الخليجية) للخلاص من معضلة الخلافات والاختلافات.. بملايينهم الثلاثين، كانوا متفائلين بأكثر مما ينبغي، أو كانوا عقلاء.. بأكثر مما يجب، فمع اقتراب الموعد الذي حدده الرئيس عبدربه لبدء (جلسات) الحوار الوطني بـ (الخامس عشر) من هذا الشهر (نوفمبر).. كانت تلك القلة تركب موجة الاحتفالات بالذكرى التاسعة والأربعين لثورة الرابع عشر من أكتوبر، لتسير في شوارع (عدن) وساحاتها ومنذ تلك الأيام من أكتوبر مظاهراتها المأجورة - بألف أو خمسة آلاف ريال يمني لليوم الواحد - وهي ترفع (أعلام الجمهورية اليمنية). لا لتطالب بمزيد من الديمقراطية والحرية والعدالة أو حتى (المساواة) في حقائب المسؤولية بين أبناء الشمال والجنوب.. ولكن لتطالب بـ (انفصال) الوحدة، وكأن الوحدة هي (المعضلة).. هي المرض.. هي الداء، وكأن (الانفصال).. هو الحل.. هو الدواء، بينما ذهب أحد مروجي تلك (المظاهرات) في تفسيرها.. إلى القول بأنها (تدشين) لأعمال جبهة (تحرير الجنوب) المسلحة التي ستبدأ قريباً(!!) ليذهب آخر من محللي (الحراك) المأجورين.. لما هو أبعد وأسوأ مما قيل في (فبراير) الماضي من شروط تعجيزية لجلوس (الحراك) على مائدة الحوار الوطني، عندما قال.. بأن هذه المظاهرات، إنما قامت للمطالبة بـ (رحيل.. المحتل الشمالي)!! كما طالبت من قبل ثورة أكتوبر بـ (رحيل.. المحتل البريطاني)..!! وهو أمر (مخجل) حقاً وبكل المقاييس إذ يساوي - هذا المختل - بين (المحتل البريطاني) وحكمه.. وبين حكم اليمنيين لأنفسهم في دولة الوحدة(!!) بقدر ما هو (مضحك) فعلاً.. إذ يقال هذا القول وتجرى به تلك المظاهرات المأجورة.. في (دولة) يتولى مسؤولياتها رئيس جمهورية (يمني جنوبي) هو الرئيس عبدربه منصور هادي!! ويدير (حكومتها) رئيس وزراء (يمني جنوبي) آخر (هو الرئيس محمد باسندوه)..!! وليعجب حتى المجانين ونزلاء “العصفورية” أو “العباسية” من درجة الانحراف الوطني التي بلغها هؤلاء!! ورحم الله الكاتب اليمني الفيلسوف الأستاذ حسن عبدالوارث.. عندما كتب - واثقاً - عن (المستحيلات الثلاث) عند اليمنيين بأنها في (عودة التشطير، وإعادة الإمامة، واستعادة حنيش)!! وليس في (الغول والعنقاء والخل الوفي) كما تقول العرب، فلم يكن ليظن أنه سيأتي يوم.. يخرج فيه فوق أرض (اليمن) شيء اسمه (حراك الجنوب).. لهمّ له غير همّ تمزيق (الوحدة) بين أبناء الشعب الواحد، ولا دعوة لديه غير الدعوة إلى (الانفصال) بينهما..!!

***

لكأن هذه (الوحدة اليمنية) عند قيامها كانت ملكاً لـ(علي عبدالله صالح) أو أرضاً مغتصبة لـ (سالم البيض).. ولم تكن تجسيداً تاريخياً لـ (أحلام) اليمنيين جميعاً في شطري الوطن، أعاق تحقيقها (الاحتلال البريطاني).. طوال المائة والثلاثين عاماً التي جسم فيها على أرض الجنوب اليمني، وعندما غادر آخر جنوده في 30 نوفمبر من عام 1968م.. وتنفس الوطن اليمني الصعداء، كان مشروع توحيد شطري الوطن ينطلق في ذات اللحظة.. بادئاً بأول (قممه) - عام 1973م - بين الرئيسين: الشمالي (عبدالرحمن الإرياني) والجنوبي (سالم ربيع علي)، ثم تواصلت القمم ولقاءات المجالس واللجان بعد ذلك بمشاركات الرؤساء اليمنيين الشماليين والجنوبيين جميعاً طوال السبعينيات والثمانينيات.. وإلى أن تم الإعلان عن قيامها من عاصمة الجنوب آنذاك، والعاصمة الاقتصادية لدولة الوحدة (عدن) فيما بعد في آخر شهور الربيع من عام 1990م.. بـ (رئاسة) علي عبدالله صالح و(نيابة) سالم البيض، فإذا اهتزت في سنواتها الأولى بفعل دس العملاء، والخونة ومؤامراتهم، أو بأخطاء الشماليين وتعجل الجنوبيين، واستمات رئيسها (علي عبدالله صالح) والشرفاء من أبنائها من حوله في الدفاع عنها وبقائها والحفاظ عليها.. لتمضي - بعد ذلك - من نجاح إلى نجاح.. طوال بقية عقد التسعينيات من القرن الماضي، وإلى العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين.. فقد طوت محاولة زعزتها بـ (نائبه) البيض، ورئيس وزرائه (العيدروس).. ليخرجا بعد سنوات من ذلك البيات السياسي الطويل: الفارغ والمريح في (بريطانيا) فـ (النمسا) وليس في وارسو أو براغ.. بهذا (الحراك) وانفعالاته ودعاواه المخجلة والمضحكة معاً، لتبقى حقيقة واحدة.. هي أن (الوحدة اليمنية) لم يقمها (صالح)، ولم تُنتهب من (البيض).. وإن حظي بشرف الدفاع عنها (الأول)، وهو ما يحسب له ولتاريخه، وقاتل.. ومازال يقاتل (الثاني) في زعزعتها أو القضاء عليها إن أمكنه ذلك، وهو ما يحسب عليه.. وعلى تاريخه، وإن كان من غير المتوقع حدوثه.. لأن (الوحدة) هي في البداية والنهاية ملك لـ (اليمنيين)، وأحلامهم بعد أن تجسدت واقعاً نضراً.. في حياتهم، في أعقاب سنوات (التشطير) والتجزئة التي امتدت لعشرات ومئات السنين الماضية.

حقيقة.. ما أبعد الشبه بين (إعادة توحيد) ألمانيا في السابع من نوفمبر من عام 1990م، بعد عام من سقوط (سور برلين).. رغم صعوباته وتعقيداته السياسية، و(إعلان الوحدة اليمنية) في ربيع ذلك العام، فقد (سال) أبناء برلين الشرقية - بتعبير الصحافة الألمانية - كالنهر إلى برلين الغربية، ليستقبلهم البرلينيون الغربيون بعد أربعين عاماً من الانفصال والقطيعة (كما يُستقبل العائدون من المنفى) بـ (الورود) والزهور والرياحين، وقد فتحوا لهم مطاعمهم ومقاهيهم ليرتادوها بـ (المجان).. بينما يصدر بطل إعادة (توحيد الألمانيتين) المحظوظ: المستشار (هيملوت كول) قراره بصرف مائة فرنك ألماني لكل قادم من (برلين الشرقية).. نظراً لتواضع دخولهم في ظل نظامهم الشمولي الماركسي الذي قدموا منه، ليتحول ذلك الاستقبال العاطفي الدافئ، إلى فاتورة.. مالية ضخمة تحملتها (ألمانيا الغربية) عن طيب خاطر، من أجل إيجاد السكن وتوفير الوظائف لهؤلاء الذين قطع (سكين) السور إقامتهم وقسَّم عائلاتهم.. مع ما يتبعها من تأمينات صحية واجتماعية، دون أن تتبرم أو تشكو منها ميزانية ألمانيا الغربية!!

لقد عشت ذلك شخصياً.. بعد أن قصدت (برلين) لرؤية بقايا سورها المزال، فلحقت بـ (لحظة) إعلان توحيد الألمانيتين.. التي تعتبر بحق ذروة اللحظات التاريخية، والبعث في حياة (ألمانيا الواحدة) الجديدة، بعد حياة ألمانيا الرايخ الثالث وأمجاده الهتلرية، فهزيمته وتقسيم وطنه.. إلى دولتين (ألمانيا شرقية.. وألمانيا غربية)، وعاصمته (برلين) إلى أربعة أقسام (سوفييتي وأمريكي وبريطاني وفرنسي).. لأسمع الآن.. وبعد سنين طويلة هذا (النهش) في بدن (الوحدة اليمنية)، وأرى هذا (التربص) بها، وأقرأ هذه (التعهدات) بزوالها.. في عام احتفالها بمرور اثنين وعشرين عاماً على قيامها، حتى وإن صدر كل ذلك عن قلة مغرر بها في (الحراك).. باعت وطنيتها بأبخس الأثمان. نعم. ما أبعد الشبه بين لحظة الفرح وبوابة (براندنبرج) وهي تكاد تطير بأضوائها وجماهيرها الملتفة حولها (فرحاً).. وبين هذا الذي يحاك - في صدور القلة المريضة ضد الوحدة اليمنية!! أما مطالب (الحراك) المشروعة في الديمقراطية، والمساواة في اقتسام المسؤوليات، والعدالة في التنمية.. فلا أحسب إلا أنها موضع ترحيب وتقدير من رئاسة الحوار الوطني.. وبين أعضائه، لأنها من صميم.. أهدافه؟

***

لعل أهل (الحراك).. ممن يحاولون اغتصاب صوت (الجنوب اليمني) وبكل الوسائل ومن بينها التغرير بهذه القلة - أو شرائها -، ومن سايرهم من (المشترك) لأسبابه وأغراضه.. نسوا أو تناسوا أن المبادرة الخليجية (بمرحلتيها “الأولى” - التي تمت بأعلى نسب النجاح - و”الثانية” التي يجري الإعداد لبدئها مع منتصف هذا الشهر أو بعده)، والتي توافقت عليها الدول الخليجية الست، وأقرها الأعضاء الدائمون بمجلس الأمن.. الخمس، ودعمتها الأمانة العامة لـ (الأمم المتحدة).. من خلال تفريغ أمينها العام المساعد الدبلوماسي البارع (جمال بن عمر).. لمتابعة تنفيذ مرحلتيها، والتي دُعمت اقتصادياً بثلاث مؤتمرات للمانحين.. كان آخرهم الذي استضافته العاصمة البريطانية (لندن) في سبتمبر الماضي.. إنما قدمت لـ (دولة.. الجمهورية العربية اليمنية) العضو المراقب بمجلس التعاون.. والمرشح لعضويته الدائمة، بهدف نقل (السلطة) سلمياً ودستورياً ديمقراطياً في ذات الوقت.. من رئيسها السابق إلى رئيسها التوافقي الجديد والمنتخب (منصور عبدربه)، وتعديل (حكومتها).. من حكومة حزب واحد (المؤتمر) إلى حكومة وفاق وطني بـ (رئاسة) المعارضة (محمد باسندوه) وبالتساوي في اقتسام حقائبها بين (المؤتمر) وبقية أحزاب المعارضة.. مع إعادة هيكلة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الأخرى، وصولاً إلى فبراير من عام 2014م.. حيث تجرى انتخابات رئاسية وتشريعية ختامية، لتأتي بـ (رئيس) جديد وحكومة ديمقراطية جديدة.. لتقوم (الجمهورية اليمنية) الخامسة، ولم يكن في وارد (المبادرة) وأصحابها النظر في انفصال الجنوب أو تفكيك (الوحدة اليمنية).. أو إعطاء الحوثيين قطعة من اليمن ليقيموا عليها إمارتهم الإسلامية.. فلم يكن شيء من ذلك قد جال بخاطر أصحاب المبادرة وداعموها الدوليون، القادرون - معاً - على إنفاذ بقية مراحل المبادرة الخليجية وبـ (من حضر) إذا امتنع من يريد الامتناع عن حضور جلسات الحوار الوطني.. ليكون الخذلان أمام أنفسهم، والعار أمام الشعب اليمني والملايين من أبنائه!

dar.almarsaa@hotmail.com
 

هدف (المبادرة الخليجية) صون (الوحدة).. لا تفكيكها..؟!
د.عبدالله مناع

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

حفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفجوال الجزيرةالسوق المفتوحالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة