ارسل ملاحظاتك حول موقعنا Saturday 29/12/2012 Issue 14702 14702 السبت 16 صفر 1434 العدد 

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

تدور نظرية الاعتماد التي طوّرها باحثون لاتينيون من بعض دول أمريكا الجنوبية حول نظرية المركز والهامش في النظام الاقتصادي والسياسي العالمي، وتعني أن دول المركز تعيش وتترعرع على دول الهامش، سواء كانت مواد خام طبيعية أو حتى موارد بشرية رخيصة يتم توظيفها لبقاء المركز متطوراً وإبقاء الهامش متخلّفاً..

وقد نشأت هذه النظرية خلال فترة الخمسينيات والستينيات الميلادية في ردة فعل معاكسة لنظرية التحديث التي كانت تنادي بها دول المركز في كون الدول النامية يجب أن تتخذ من التنمية التدرجية سبيلاً لنموها التدريجي، حتى يمكن أن تصل إلى مستوى الدول المتقدمة.. ولكن الحقيقة المرة أنه ليس كل الدول ستتقدم وعندما تتقدم أي دولة ستظل متأخرة عن ركب الدول المتقدمة، لأن عمليات التقدم مستمرة وبسرعات كبيرة مع الدول التي تمتلك عناصر التقدم..

وبينما تضع نظرية التحديث مراحل أربع أو خمس أمام الدول المتخلّفة من أجل أن تتحوّل إلى دولة متقدمة، تبدأ من التحوُّل من اقتصاد زراعي إلى بداية الاقتصاد الصناعي إلى مراحل متقدمة يدخل فيها الاستثمار دوراً في بناء اقتصاديات هذه الدول، إلاّ أن نظريات الاعتماد لا تعطي مساحة أو فرصة للتغيير والتحوّل إلاّ من خلال تحطيم القيود التي تفرضها المؤسسات المصرفية العالمية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وفي حالة الانفكاك يمكن أن تستقل اقتصاديات هذه الدول، وتصبح لها كياناتها المستقلة وعلاقاتها الاقتصادية خارجة عن منظومة الاقتصاد الكوني الذي تحركه مؤسسات بنكية ونقدية تكرس هيمنة الأطراف الكبرى على الهوامش الضعيفة..

ويمكن استمرار تطبيق نظرية الاعتماد على مناطق وربما دول في العالم، فكل منطقة في العالم مثل أمريكا الجنوبية أو آسيا أو الشرق الأوسط يجري داخلها نظام المركز والهامش، فهناك دول إقليمية مركزية كما هناك الكثير من الدول الهامشية.. واستمراراً لنهج النظرية، فهناك داخل الدولة الواحدة مناطق مركزية ومناطق هامشية.. حيث تحظى العواصم والمدن المركزية بنصيب وافر من مشروعات التنمية، وإذا نجحت الدولة في توزيع إيرادات الثروة والتنمية على جميع المناطق والمدن والقرى، تكون قد نجحت فعلاً في مشروعها للتنمية الوطنية. أما إذا تركّزت مشروعات التنمية في مكان أو مكانين أو ثلاثة دون باقي الأماكن الأخرى في الدولة، فتكون قد أخفقت كثيراً في سياساتها الاقتصادية الوطنية..

وإذا عدنا الى جدليات النظريات المفسّرة للتنمية وخاصة بين نظريتي التحديث والاعتمادية، فسنجد أنّ هناك نجاحات وهناك إخفاقات في الشواهد على صدقية هاتين النظريتين، فبينما تثبت نظرية التحديث أنّ هناك دولاً استطاعت أن تخترق دائرة دول المركز مثل الهند والصين وكوريا وسنغافورة والبرازيل وجنوب أفريقيا، بينما ظلّت كثير من الدول النامية أو ما كان يطلق عليها دول العالم الثالث في تأخر وتراجع مقارنة بتقدم باقي دول العالم. ومن ناحية أخرى فإنّ النظام الرأسمالي العالمي قد أحكم حلقاته على جميع اقتصاديات العالم وبات من المستحيل كسر احتكارية الرأسمالية العالمية، بمعنى أن دول المركز ستظل هي المهيمنة على مجريات العالم وشئونه الاقتصادية..

ولاشك أنّ التحليل الماركسي والنظريات اليسارية كان لها التأثير على أصحاب فكر النظرية الاعتمادية خلال الخمسينيات والستينيات، واستمر الاهتمام بها حتى تفكك الاتحاد السوفيتي الدولة الحامية في حينها للفكر اليساري العالمي، ومع سقوط جدار برلين وانتهاء الحرب الباردة بين الشرق والغرب، دخلت النظريات اليسارية والفكر الشيوعي في أزمة كبيرة لم يتمكن من الخروج منها إلى اليوم.. ولكن بعض هذه النظريات لا تزال تفسر بعض الأحداث والأزمات العالمية التي تواجه العالم.. ولكن في نفس الوقت فإنّ نظريات التحديث قد أخفقت كذلك في مسار التنمية لكثير من دول العالم النامي، وكثير من هذه الدول لا تزال في مرحلة تخلّف اقتصادي واجتماعي وسياسي، ولم تتمكن مثل هذه النظريات الغربية المنشأ من الدفع بدول التخلّف إلى الأمام خلال عقود طويلة من الحراك التنموي لهذه الدول..

وقد نجحت النظرية الاعتمادية في تشخيص الواقع الذي يعيشه العالم من وجود مركز وهامش في العالم، دول مركزية تتركّز في الولايات المتحدة وكندا في أمريكا الشمالية، إضافة إلى دول أوروبا الغربية.. وهذه الدول وخاصة الأوروبية هي الدول الاستعمارية التي كانت على مدى قرون تستنزف الموارد الطبيعية من الدول التي تقع تحت استعمارها العسكري والاقتصادي والسياسي والثقافي، ووظّفت هذه المواد الخام والثروات الطبيعية في بناء صناعات جبّارة انعكست على نهضة إنسانية غير مسبوقة استفادت منها دول المركز، وخرجت منها دول الهامش بلا رصيد أو استحقاقات اقتصادية، مما جعلها تظل متخلّفة بحكم الوضعية التي فرضتها قواعد لعبة المركز والهامش حسب نظرية الاعتمادية..

وتظل هناك أسئلة عالقة على كلا النظريتين، حيث مستجدات كونية بشرية وطبيعية أثرت خلال العقود الماضية على الكيانات السياسية في العالم، وفرضت خيارات صعبة على القرار الاقتصادي والسياسي. ولكن تظل نظرية المركز والهامش هي نظرية مستلة من الطبيعة الإنسانية، فالحياة هي أناس يملكون وأناس لا يملكون، أناس ومؤسسات ودول تملك وتهيمن وتفرض سيطرتها على العالم، ودول أخرى مجبرة على مسارات غير اختيارية جعلت منها طعماً مستساغاً للكبار أو لدول المركز، وبالتالي تظل الدول الصغيرة هامشاً في محيط مفتوح وأمواج متلاطمة..

alkarni@ksu.edu.sa
رئيس الجمعية السعودية للإعلام والاتصال - المشرف على كرسي صحيفة الجزيرة للصحافة الدولية - أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود
 

دول المركز ودول الهامش في الاعتمادية الكونية
د.علي بن شويل القرني

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

حفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة