ارسل ملاحظاتك حول موقعناThursday 24/01/2013 Issue 14728 14728 الخميس 12 ربيع الأول 1434 العدد

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

الثقافية

كنتُ أتَحدَّث في الأسبوع الماضي عن بعض الوسائل والآليات التي تفيد في تفعيل التواصل بين الأندية الأدبية وطلاب الدراسات العليا، وأكَّدتُ في هذا السياق على ضرورة التنسيق بين النادي والأقسام العلمية في الجامعات على إقامة دوراتٍ علميةٍ تساعد الطلاب على كتابة أطروحاتِهم، وتَمنحها جودةً وتَميُّزاً وقُوَّةً تليق بسمعة جامعات مَملكتنا الغالية.

وسعيا إلى إكمال ما بدأته في هذا السياق أقول هنا إنه ينبغي على أساتذة الدراسات العليا الوعي بأهَميَّة هذا التواصل، وتشجيع طلابِهم عليه، وترغيبهم في حضور تلك الدورات بشتى الوسائل، كأن يكون هذا الحضور جزءاً من التكليفات التي يُقرِّرها الأستاذ على الطلاب، ويكون مقابلَها جزءٌ من الدرجة، أو أن يُقدِّم الطالب أو الطلاب في المجموعة الواحدة تقريراً عن مُحاضرةٍ علميةٍ أو أمسيةٍ شعريةٍ أقامها النادي بالتنسيق مع القسم وأستاذ المقرر، ويكون تقييم الأستاذ للطلاب بناءً على مستوى هذا التقرير.

ومن الآليات التي يُمكن أن تفيد في تفعيل هذا التواصل تكليف الطلاب بإقامة مُحاضرةٍ أو ندوةٍ عن موضوعٍ من الموضوعات التي تتصل بالمقرر، وذلك بعد التنسيق بين النادي والقسم، على أن يقوم النادي بالإعلان عن هذه الندوات، والتوضيح بأنَّها من إعداد طلاب الدراسات العليا في القسم المقصود، وأحسب أنَّ مثل هذه الآليات تَمنح الطلاب ثقةً بأنفسهم منذ وقتٍ مبكر، فقد لاحظتُ أنَّ كثيراً من طلابنا حين ينهي السنة المنهجية ويشرع في إعداد رسالته العلمية يتردَّد في الغالب، وتداخله الهيبة ويزاحِمُهُ الخوف قبل أن يبدأ، بل إنَّ بعضهم أسرَّ لي أنه لا يتصوَّر أنه سيكون قادراً على إعداد رسالةٍ علمية، ويشعر أنه غير مُؤهَّل حتى الآن للولوج إلى فضاءات البحث العلمي، وأنَّ المدَّة التي قضاها في دراسة مُقرَّرات هذه المرحلة لَم تَمنحه المفاتيح اللازمة والكافية للدراسة والبحث، وأحسب أنَّ مثل هذه الدورات التي يقيمها الطلاب في النادي بِحضور المثقفين والمفكرين ستمنحهم جُرعةً متميزةً من الثقة بالنفس، والقدرة على إبداء الرأي، من خلال التحليل والتعليل والتأمُّل والمناقشة، ومن ثَمَّ سيكون لدينا نتاجٌ علميٌّ متميز، وبُحوثٌ تَحمل قدراً عالياً من الجودة والجِدَّة.

ثُمَّ إنَّ إقامة مثل هذه الندوات من قِبَل طلاب الدراسات العليا ستجعل القسم الذي ينتمون إليه قُدوةً لغيره من الأقسام، ويتنافس البقية على عقد هذه الندوات، ليخرج لنا شبابٌ قادرٌ على التميُّز والعطاء، قد وجد الفرصة لإظهار ذلك أمام المجتمع بكافة أطيافه.

ومن الوسائل التي أراها فَعَّالةً في غرس أسس التواصل بين النادي والطلاب ما يتصل بقضية الطباعة والنشر، وأقترح في هذا السياق أن تُخصِّص الأندية من ميزانياتِها الضخمة مبالغ بسيطة لتفعيل هذا التواصل، حيث يتبنَّى النادي على سبيل المثال طباعة بعض التكليفات المتميزة التي يُقرِّرها أستاذ المادة على الطلاب، ويتمُّ التنسيق بين الأستاذ والنادي في هذا الشأن بأن يقوم الأستاذ بترشيح بعض التكليفات التي يراها تستحق الطباعة والنشر، ويتمُّ عرضها على النادي الذي يُمكن أن يعرضها على مُحكِّمين، ومن ثَمَّ طباعتها ونشرها بوصفها من مطبوعات النادي، وهذا الإجراء بلا ريب سيُعزِّز ثقة الطلاب بأنفسهم، ويُشعل روح المنافسة بين غيرهم من طلاب الأقسام الأخرى، وأنا على ثقةٍ أنَّ لدينا في هذه المرحلة طلاباً مبدعين، ينتظرون الفرصة لتعزيز مواهبهم، وتشجيعهم على مواجهة المجتمع، وخوض تَجارب ثقافية، وتدريبهم على الظهور الإعلامي، وأجزم أنَّ مثل ذلك سينعكس إيجاباً على إنتاجهم العلمي، وتفكيرهم الثقافي.

ويُمكن أن يَمتدَّ هذا التواصل إلى أبعد من ذلك، حيث يتبنَّى النادي طباعة الرسائل العلمية المتميزة، وأقصد بذلك أن يبحث النادي عن الرسالة لا أن تبحث الرسالة عن النادي، وهذه المرحلة لا يُمكن للنادي أن يصل إليها ما لَم يكن على تواصلٍ مُبكِّرٍ ودائمٍ مع الطالب المتميز منذ أن كان في دراسته المنهجية، حين يلمس آنذاك تَميُّزه وحرصه وجودة طرحه وقُوَّة شخصيته، ويتوقَّع منه أن يكون إنتاجه البحثي على درجةٍ عاليةٍ من الجودة والتميُّز، وإذا لَم يَجد الطالب ذو الإنتاج المتميِّز مثل هذه المبادرات من مؤسساتٍ ثقافيةٍ كالنادي الأدبي فإنه حتماً لن يَجدها يوماً في سوق الخضار!

ثُمَّ ما المانع أن يقوم النادي الأدبي بإهداء مطبوعاته على هؤلاء الطلاب، بدلاً من أن تكون حبيسة الأرفف والأدراج، وإذا لَم يُتَحْ لِمثل هذه النخبة الاطلاع على هذه المطبوعات فلِمَنْ ستتاح إذن؟ وإذا لَم يرَ النادي فائدةً في إهدائها إليهم فإنَّ بقاءها ومُحاولة بيعها لن يكون أجدى من ذلك، ولا أقلَّ في هذا الإجراء أن يعلن النادي عن نفسه من خلال هذا الإهداء، وأن يبذل جزءاً يسيراً من ميزانيته لتفعيل التواصل مع هذه النخبة في سياق تواصله المطلوب مع فئات المجتمع كافة.

***

وختاماً.. فإنَّ ما سبق لَم يكن سوى مقترحاتٍ سريعةٍ خطرت لي وأنا أتأمَّل هذه القطيعة الواضحة بين نوادينا الأدبية وطلاب الدراسات العليا في جامعاتنا الموقرة، ولا شكَّ أنَّ وعي النادي الأدبي بدوره وأهَميَّة تواصله مع المجتمع يُشكِّل تَحدِّياً كبيراً ينبغي مواجهته، وأعتقد أنَّ هذه المقترحات التي سطَّرتُها في أجزاء هذا الموضوع لا تساعد فحسب على تفعيل التواصل بين هذا أضلاع المثلث الثقافي: النادي والطالب والقسم العلمي، بل إنَّها ستُنمِّي حُبَّ التخصص في الطالب، وتُشعره بالانتماء العميق له، ثُمَّ إنَّ ذلك سيساعد على تفعيل مهارات ربَّما يفتقدها الطالب في قاعة الدرس الأكاديمي، ولا يَجد البيئة المناسبة لتطبيقها، واختبار قدراته فيها، ثُمَّ إنه من خلال تفعيل هذا التواصل تسهم الأندية الأدبية في تقوية الجانب العلمي لدى هؤلاء الطلاب، وتساعد بالتعاون مع الأساتذة والأقسام في الوصول إلى نتاجٍ علميٍّ متميز، ورسائل أكاديمية تنهض بِمستوى الثقافة والفكر في هذا الوطن، بدلاً من تلك الرسائل المتهالكة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

ثُمَّ إنَّ مثل هذا التواصل يتيح للطالب تطبيق ما تعلَّمه على أرض الواقع، ويَجعله يشعر بقيمة ذلك وهو يواجه المجتمع بِما تعلَّمه في قاعة الدرس، إضافةً إلى أنَّ تطبيق تلك المقترحات أو بعضها يُعدُّ استثماراً مرئياً للمبالغ التي صرفتها الدولة على الأندية الأدبية في جَميع مناطق المملكة، كما أنَّ ذلك يساعد في القضاء على النمطية في التعليم العالي، والخروج من ضيق القاعة إلى فضاءات المؤسسات الثقافية، ويَجعل الطالب منفتحاً على الآخر، ومصغياً لأكثر من رأيٍ في القضايا التي يدرسها، ومستعداً للمناقشات العلمية والفكرية من خلال اجتماعه بأهل الخبرة والاختصاص، وببقية أقرانه في أقسامٍ أخرى، إضافةً إلى ما في ذلك من شعورٍ بالمتعة في التعلُّم، وتَخفيف الأعباء على الأساتذة، ويبقى نَجاح كلِّ ذلك معتمداً بعد الله سبحانه وتعالى على جِدِّية هذه الأطراف الثلاثة: النادي والطالب والقسم العلمي، ووعيهم بأهَميَّة ما يقومون به من واجبٍ تِجاه فكر هذا الوطن وثقافته.

Omar1401@gmail.com

الأندية الأدبية.. وطلاب الدراسات العليا (3)
د. عمر بن عبدالعزيز المحمود

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

حفظ

للاتصال بناالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة