Al-jazirah daily newspaper

ارسل ملاحظاتك حول موقعناMonday 25/02/2013 Issue 14760 14760 الأثنين 15 ربيع الثاني 1434 العدد

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

الرأي

لا تَمرُّ الأيام والليالي، منذ هَبَّة أكثرية الشعب السوري؛ منادية بالحُرِّية والعدل والتَّخلُّص من النظام الذي أثقله نيره الجاثم على الصدور أكثر من أربعة عقود، إلا ويزداد عدد المتواطئين على تلك الهّبَّة لإخمادها وترسيخ تَحكُّم النظام، الذي أثبت أنه لا يثمل إلا من كؤوس الجرائم الفظيعة.

ظَلَّت الهَبَّة التي قامت في سوريا أكثر من ستة أشهر سلمية الطابع. وكان النظام في سوريا طوال تلك الأشهر الستة يرتكب أشنع الجرائم؛ تقتيلاً وتعذيباً وتدميراً.

هذه حقيقة تاريخية من أنكرها فهو كذَّاب أَشِر، ومن تجاهل حدوثها فهو كاتم للشهادة متواطئ مع المجرمين.

في تلك الأشهر الستة بدت علامات سوء الأمانة العامة للجامعة العربية.

لقد ذهب الأمين العام للجامعة لمقابلة رئيس النظام السوري؛ وهو يرى ـ كما كان يرى العالم كلّه ـ كيف يُمزِّق جلاوزة ذلك النظام وشبِّيحته أجساد الأطفال؛ ناهيك عن الكبار؛ رجالاً ونساءً، وكيف يدفنون الناس أحياء.

وعاد الأمين من سوريا متأبِّطاً مُجرَّد وعد من ذلك الرئيس بالإصلاح.

كيف يُفسَّر ذلك الموقف؟ إن كان لا يصعب على البعض التفسير فإنه حتماً صعب على مثلي.

وبعد أن تَقرَّر إرسال مراقبين من الدول العربية للاطِّلاع على ما كان مستمراً من ارتكاب المجازر اتَّخذ موقفاً من أَدلَّة سوئه اختياره لرئاسته رجلاً يعلم الكثيرون من سيرته؛ وبخاصة في دارفور، أنه غير مُؤهِّل لحمل المسؤولية المسندة إليه، وأنه صَرَّح غير مُوفَّق ـ بكل ما تُعبِّر عنه مجانفة العدل من معنى أن مَهمَّة المراقبين ليست معنية بما جرى في سوريا قبل وصول المراقبين إليها.

وهذا يعني تجاهل كل الجرائم التي ارتكبت أشهراً ضد المسالمين من الشعب السوري.

وموقف كموقف ذلك الأمين يصعب أن يقال عن صاحبه: إنه ليس من المتواطئين مع النظام المرتكب لتلك الجرائم.

لذلك لا أظني أني كنت غير محق عندما كتبت حينذاك مقالة عنوانها تساؤل: “هل يرعى الأمين العام الأمانة؟”.

والحديث عن السيد كوفي عنان وخُطَّته لا أرى داعياً إليه.

فقد ماتت تلك الخُطَّة على أَيِّ حال خلال مدة قصيرة نسبياً.

ثم جاء الأخضر الإبراهيمي ليتسلَّم دَفَّة أمور التباطؤ في إنجاز أَيِّ عمل مخلص مثمر لإيقاف المجازر المرتكبة.

وللمرء حقٌّ في أن يتساءل عمّا إذا كانت هناك مصلحة خاصة لذلك التباطؤ؟

على أن التباطؤ ما لبث أن تَحوَّل إلى تواطؤ على استمرار تلك المجازر بكل ما تَتَّصف به المجازر وتخريب العمران ووسائل الحياة من وجوه البشاعة.

ولَعلَّ من أَدلَّة انحياز الإبراهيمي إلى مرتكبي المجازر والتخريب من جلاوزة النظام الإجرامي أنه لم يشر مَرَّة واحدة إلى إقدام أولئك الجلاوزة على ارتكاب تلك المجازر وذلك التخريب عندما كان من هَبُّوا مطالبين بالحرية والعدل سلماً وقبل أن يضطروا إلى استعمال القوة دفاعاً عن أنفسهم ومواطنيهم المسالمين.

والإبراهيمي بهذا يبرهن على أنه أكثر سوءاً من كُلٍّ من الأمين العام للجامعة العربية والسيد كوفي عنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة.

وفي الأسبوع الماضي ازداد عدد المتواطئين مع النظام السوري ضد من قاموا بالهَبَّة الشعبية في سوريا رقماً مُهمًّا؛ إذ وقفت أكثرية الدول الأوروبية ـ ولها ما لها من وزن في ميزان القوى العالمية ـ ضد السماح لإمداد المعارضة السورية بالسلاح، الذي يمكن أن تستطيع به إيقاف ذلك النظام عند حَدِّه مع أن تلك الدول تعلم وترى تَدفُّق الأسلحة المُتطوِّرة عليه من روسيا وإيران.

موقف روسيا العدائي المنحاز إلى النظام السوري الإجرامي واضح كُلَّ الوضوح منذ ابتداء الهَبَّة الشعبية في سوريا؛ سياسيًّا في مجلس الأمن أو تسليحاً متواصلاً.

ولذلك فالحديث عنه غير ضروري هنا لأنه لا لبس فيه ولا غموض.

أما إيران فمن المعلوم أنها ليست متواطئة مع النظام المذكور فحسب؛ بل هي شريك له في إجرامه؛ مباشرة وعبر حكومة المالكي العراقية التابعة لها عمليًّا وواقعيًّا.

وخطورة إيران بالذات أنها مستميتة في الاشتراك مع النظام السوري في إجرامه، وأنها أثبتت قوتها سياسيًّا كما دَلَّ على ذلك تمكُّنها من إجبار الدول الإسلامية على عدم الإشارة إلى جرائم ذلك النظام في البيان الذي أصدره مؤتمر تلك الدول أخيراً في القاهرة.

على أن كل المتواطئين في جانب والحكومة الأمريكية المخادعة في جانب آخر هو الأخطر والأهم.

عندما هَبَّت أكثرية الشعب السوري منادية بالحرية والعدالة صَرَّحت الإدارة الأمريكية أن الأسد فقد شرعيته، وأنه لا بد من تَنحِّيه، وكرَّرت تصريحاتها المخادعة عدة مرات.

لكن سرعان ما بدأ موقف تلك الإدارة يَتغيَّر، وإذا بها ـ في نهاية المطاف ـ لا تكتفي بعدم إمداد المعارضة السورية بالسلاح ـ وإمدادها هو ما توحي به تصريحات قادة أمريكا سابقاً ـ؛ بل وقفت لتحول دون إمداد الآخرين لها بالسلاح أيضاً.

ولقد تَعدَّدت آراء الكُتَّاب حول أسباب ذلك التَّغيُّر، ولِكلِّ كاتب رأيه الذي فيه من الوجاهة، أحياناً، ما فيه.

لكني أرى أن السبب الجوهري هو أن الكيان الصهيوني رأى أن لا مصلحة له في زوال النظام في سوريا.

ومن المعلوم أنه ما دام لا مصلحة للصهاينة في زوال النظام السوري الهادئة حدوده معهم في الجولان المُحتلَّة أكثر من أربعين عاماً فإنه لا بد للإدارة الأمريكية من مراعاة تلك المصلحة.

وإني لأكاد أجزم أن ما يبدو كأنه تخاذل أمريكي أمام إصرار روسيا ليس ناتجاً عن ضعف في الجانب الأمريكي؛ بل هو ناتج عن رغبة أمريكية مبنية على مصلحة صهيونية.

ما تُرتِّب له القوى المُؤثِّرة التي لها قوتها على المستوى العالمي ـ وليست الدول العربية المستخدية من بينها بطبيعة الحال ـ طبخة يخشى كثير من المخلصين لأُمَّتهم عواقبها؛ تماماً كما أُعدَّت طبخات أَدَّت إلى نتائج وخيمة لقضايا هذه الأُمَّة؛ وعلى رأسها قضية فلسطين.

كفى الله أُمَّتنا شرور أعدائها من خارجها ومن داخلها أيضاً.

ازدياد عدد المتواطئين على الهَبَّة السورية
د.عبد الله الصالح العثيمين

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

حفظ

للاتصال بناالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة