Al-jazirah daily newspaper

ارسل ملاحظاتك حول موقعناThursday 18/04/2013 Issue 14812 14812 الخميس 08 جمادى الآخرة 1434 العدد

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

الرأي

الأستاذ كارل غيوريك تسين واحد من كبار الإستراتيجيين الاقتصاديين في العالم، ألف منذ سنوات كتاباً ينصح بالرجوع إليه وهو مليء بالدروس والعبر سماه “الرخاء المفقر التبذير والبطالة والعوز”.

ويرى خبيرنا أن الاقتصاد العالمي، طرأت عليه، جل التطورات الاقتصادية التي كان أمثاله قد تنبأوا بها، لا من خلال التحليل النظري للأحداث التي عصفت بالنظام الرأسمالي فحسب، بل من خلال دراسة السياسة القائمة على المنظور الليبرالي المحدث أيضاً. فازدياد فرص العمل وتراجع معدل البطالة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من 7.2 في المائة عام 1997 إلى 6.4 في المائة عام 2000 ما كانا يكفيان أبدا للاقتراب على نحو جدير بالذكر من مستوى التشغيل التام للأيدي العاملة.

وللتعرف على وخامة البطالة السائدة ينبغي لنا التمعن في معدلات البطالة “الفعلية”؛ أي المعدلات الآخذة في الحسبان عدد الأفراد المستعدين للعمل، لو وجدوا الفرصة المناسبة للعمل، وعدد الأفراد المحالين على المعاش مبكراً، وغيرهم من أفراد كثيرين لم يعد ينظر إليهم على أنهم جزء من قوة العمل وإن كانوا في سن يجيز لهم العمل؛ فواقع الحال يشهد أن معدلات البطالة هذه قد أمست تفوق كثيراً معدلات البطالة المعلنة رسمياً أولاً. وتبين ثانياً على نحو جلي أن الازدهار الذي مر به الجزء الأعظم من القطاعات الاقتصادية الجديدة(New Economy) لم يكن سوى الحصيلة النهائية للإفراط في الاستثمار، والمضاربة في أسواق المال. بهذا المعنى، كان هذا الازدهار تكراراً لحالات كثيرة شهدتها الدول الرأسمالية فيما مضى من التاريخ.. وكان ازدهار المضاربة قد أيقظ عدداً كبيراً من المتنبئين من غفوتهم؛ فراحوا يذيعون على الناس بشارة مفادها أن الازدهار قد أمسى طابع العصر الجديد، وأنه لن يتوقف أبداً. ولم يصدق هاته البشارة الزائفة العامة من الناس فحسب، بل صدقها الكثير من أشباه الخبراء من العاملين في المؤسسات الاقتصادية والهيئات العلمية والمجالات السياسية ووثقوا بها أيضاً. أما الفئة التي كانت تراقب الأمور بعين العقل فقد سخر منها هؤلاء المتنبئون، ونظروا إليها على أنها خليط من قوم تحجرت عقولهم، وغلبهم التردد، وطغت عليهم الروح الانهزامية؛ ومن ثم فلا نفع في الإصغاء إلى ما يقولونه. إلا أن هذه الفئة من الناس كانت على حق من دون مراء.

إن الركود الذي عصف بالاقتصاد الأمريكي خريف 2000 لم يكن أمراً غير متوقع بالنسبة إلى الحذرين الذي وصموا بتحجر العقل.. ومهما كان الحال، فإن الأمر البين هو أن هذا الركود -خلافاً للانتعاش الذي ساد في تسعينيات القرن العشرين- لم يقتصر على قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات فحسب، فحجم الاستثمارات تراجع في مجمل الاقتصاد. علاوة على هذا عصفت بالقطاعات الاقتصادية الجديدة، أيضاً، صدمات وانهيارات أخذت الكثيرين على حين غرة. وربما كان انهيار إنرون (ENRON)، الشركة الأمريكية العملاقة في مجال الطاقة، أحد الأمثلة على شدة هذه الصدمات وعظم هذه الانهيارات.

يضيف الخبير الإستراتيجي أن هاته التطورات أكدت بالملموس مصداقية الظاهرة الاقتصادية الملاحظة منذ عقدين من الزمن؛ أعني أن حالات الازدهار التي تمر منها المجتمعات (الرأسمالية، المترجم) على نحو دوري لا يمكن أن تقضي قضاء تاماً على الركود الطويل الأجل (في هذه المجتمعات)، وعلى ما ينشأ عن هذا الركود من تدهور مزمن في استخدام الأيدي العاملة. بالإضافة إلى هذا ثبت على نحو صريح صحة الفكرة التي سادت الدراسات المبكرة المختصة بالدورات الاقتصادية؛ أي المختصة بدراسة أسباب تقلب النشاطات الاقتصادية؛ فهذه الدراسات أكدت منذ القرن التاسع عشر أن كل ازدهار يعقبه ركود. بهذا المعنى كان ممكناً فعلاً التنبؤ بالركود الدوري الحالي. وكانت الصحف الاقتصادية قد نشرت في شباط - فبراير 2001؛ أي قبل الهجمات الإرهابية التي حدثت في الحادي عشر من أيلول - سبتمبر 2001 بوقت طويل، عناوين بالخط العريض مفادها أن “موجة عظيمة الأبعاد لتسريح الأيدي العاملة تندلع في الولايات المتحدة الأمريكية”. وفي تموز- يوليو من العام ذاته نشرت الصحافة المختصة بالشئون الاقتصادية عناوين بالخط العريض تؤكد أن “العملاق صار يترنح”. ولم تتسم ردود الأفعال على الإرهاب بالعقلانية، ولم تأت منسجمة مع القيم الإنسانية؛ ومن ثم فقد سبب الإرهاب وردود الأفعال عليه تعزيز التشاؤم، وتفاقم القنوط اللذين خيما على الجو العام منذ منتصف عام 2000. ومع أن إعطاء الأولوية للخيار العسكري في مكافحة الإرهاب يمكن أن يتيح للولايات المتحدة الأمريكية الفرصة لإحراز ازدهار اقتصادي مصدره برامج التسلح الواسعة؛ أي أنه يمكن أن يحقق ما كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد حققته في ثمانينات القرن العشرين حينما توسعت إدارة رونالد ريجان بالإنفاق الحكومي، مطبقة بذلك مبادئ النظرية الكينزية في مجال برامج التسلح، إلا أن هذا الازدهار يبقى مرحلياً فقط، ومن ثم فإن البحث فيه وفيما سواه من موضوعات قصيرة الأجل، لا ينسجم مع المنظور الرئيسي الذي تنطلق منه دراسة الخبير الإستراتيجي؛ فالمنظور الطويل الأمد هو الأمر الذي تناوله الكاتب بالدرس والتحليل، وهو الذي ينقص مجتمعاتنا العربية، فغالبا ما أبينا وضع نظارات إستراتيجية تنظر إلى المدى البعيد، وغالبا ما اكتفينا بالنظر إلى الحاضر فقط ومعالجة المشاكل الطارئة دون الإلمام بفنون الإستراتيجية اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، وهاتف الفنون تفرض عليك وعليّ ولى أخذ القرار بالخصوص النظر إلى كل الزوايا المستقبلية وإلى كل الأبعاد المستقبلية ويبني عليها مخططات وقرارات صائبة ومفيدة للبلاد والعباد وخاصة للأجيال اللاحقة.

وبحسب التقويم السنوي ولى القرن العشرون وانقضى، هذا القرن الذي سماه تيل باستيان “قرن الموت” (Bastian,2000). إلا أن واقع الحال يشهد أن هذا القرن ولى وانقضى بحسب التقويم السنوي فقط. فالعالم ما يزال يعاني جميع مظاهره القديمة؛ أعني أن العالم ما يزال يئن تحت وطأة سياسة الهيمنة والاقتصاد الرأسمالي والحروب، والإجحاف والجريمة، والاستغلال والفقر والبؤس، وتدمير البيئة. فالبشرية تنقسم إلى قسمين، فأولاً يندرج ما يقارب من 15 في المائة من بني البشر في عداد الأثرياء في المنظور العام، ويعاني ثانياً ما يقارب من 85 في المائة منهم الفقر إلى حد ما. ويكاد الثراء يحصر في تلك الدول التي كانت تشكل لب العالم الرأسمالي في العصور الماضية. والملاحظ أن دول العالم الرأسمالي لا تمل ولا تكل من تأكيد أن خلاص العالم يكمن في تتبع خطاها، وفي تطبيق برامج الإصلاح التي تقترحها لحل المشكلات التي تعانيها البشرية، مدعية أن هذه البرامج فقط تضمن الحل المؤكد. ومع هذا لم تحل مشكلة اللا عدالة الاجتماعية، ولم يتم القضاء على الأزمات الاقتصادية، فضلاً عن خفض معدلات البطالة التي ترزح تحت وطأتها فئات عريضة من المجتمع. إن هذه المسائل تشكل لب هذا الكتاب الذي أنصح كل ذي متتبع قراءته بتمعن. وهناك كتابات كثيرة تناولت هذه المسائل. وهذا أمر يسبغ علينا الغبطة، ويدعونا إلى أن نقدم الشكر للمؤلفين الذين خاضوا في هذه المسائل، وذللوا الطريق. إلا أن هناك جوانب أخرى لم تتناولها هذه الدراسات، أو أنها تناولتها ولكن على نحو هامشي وتناولها الكتاب الذي قدمته بحرفية وإتقان.

الرخاء المفقر
د. عبد الحق عزوزي

د. عبد الحق عزوزي

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

حفظ

للاتصال بناالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة