Al-jazirah daily newspaper

ارسل ملاحظاتك حول موقعناFriday 26/04/2013 Issue 14820 14820 الجمعة 16 جمادى الآخرة 1434 العدد

الأخيرة

متابعة

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

الرأي

مما لا شك فيه أننا عندما نتناول مسألة ما بالدراسة والتحليل واستنباط نتائج لها فإننا لا بد أن نعود إلى جذور هذه المسألة، بمعنى نعود إلى التاريخ؛ فالتاريخ لأي مسألة - خاصة تلك المسائل المتعلقة بوطن أو مجتمع ما - يُعتبر من الأمور المنهجية الضرورية لمعرفتها من حيث أسباب نشأتها، مظاهرها، انحسارها وتطورها. والظروف التي أثرت

فيها الضرورة التاريخية هي معيار لتمييز الواقع العقلي عن الواقع اللا عقلي.. فما هو ضروري في لحظة تاريخية ما يَكفُ عن أن يكون عقلياً ضمن شروط تاريخية جديدة.. إلا أن الزمن كفيل بالاحتفاظ بها؛ لأنها محددة بواقع تاريخي معين؛ لذلك فالعودة إلى التاريخ في غاية الأهمية، ولا يمكن تغييبه عن الفكر، ولاسيما في المسائل التي نشترك فيها معاً (نحن والآخر)، يستفيد منها الآخر، ونستفيد نحن منه؛ لمعرفة كيفية التعامل مع تلك المسائل وكيف نواجهها.. مع الأخذ بعين الاعتبار ألا يعمل الاحتكاك بالآخر على فقدان الثوابت الخاصة بكل مجتمع.

هذه المقدمة المختزلة قادتني إلى طرح أسئلة أعياني البحث لأجد إجابة شافية ومقنعة عنها: تُرى هل العالم العربي لا يزال في حركة نهضوية..؟ وهل شهدت المجتمعات العربية في العصر الحديث نهضة إنسانوية كتلك التي عاشتها في ظل الحضارة الإسلامية حال التقدم آنذاك..؟ المتتبع لحال عالمنا العربي في العصر الحالي يستطيع أن يقول بكل ثقة ومن دون أي تردد إنه وعلى الرغم من وجود حركة للنهضة له في يوم ما من التاريخ إلا أنه لم ينهض إلى اليوم.. فهو لا يزال يبحث عن النهضة أو حتى إحياء نهضة كانت سائدة في عصر من العصور فصارت تاريخاً مسطراً في الكتب، نقرؤه وتقرؤه الأجيال من بعدنا.. نفاخر بـ(كان لنا.. وكان لنا) دون أن نضيف إليه جديداً.. و(كان) ليس إلا فعلاً ماضياً ناقصاً.. لم يجبر نقصه بفعلٍ حاضر مستمر لنقول إننا بالفعل لا نزال في فعل النهضة، ولا نزال في طور الاستمرار لإنجاز أهدافنا النهضوية.

إن سؤال (هل لا نزال في حركة نهضوية..؟) هو سؤال مشروع، يُطرح في فترة يواجه فيها المجتمع العربي ظروفاً سياسية معقدة، فرضتها طبيعة علاقات النظم السياسية مع الغرب، فضلاً عن التجزئة السياسية العربية والصراع العربي الإسرائيلي، وأخيراً إسهام ثورات الربيع العربي في زيادة ركام هذه الظروف.. هذا إلى جانب الاستلاب المنظم للمفاهيم النهضوية اصطلاحاً من قِبل بعض الفئات التقليدية.. أو من قِبل بعض المتزمتين، وذلك على حساب المجددين والمحدثين.. يُضاف إلى ذلك أن الإنسان العربي عانى - ولا يزال يعاني - من أمراض واضطرابات بعض النظم الحاكمة كالاستبداد والنزوع للتسلط واستشراء الإشكاليات المجتمعية.. كالتفكك الاجتماعي والعمل غير الجماعي وغيره.. ناهيك أيضاً عن العوامل الخارجية الرافضة لأي مشروع نهضوي عربي.. ليظل الغرب صاحب الحضور القوي عالمياً وعلى المستويات كافة، وتبقى المجتمعات العربية عالة على هذا الغرب.. تحاصره القيود والمعوقات التي تعيقه عن الانطلاق.

فإذا كان سؤال (هل لا يزال العالم العربي في حركة نهضوية..؟) سؤالاً مشروعاً، وأن المطالبة بالنهضة هي مطالبة لصيقة.. بالإصلاح والتجديد.. فإن هناك ارتباطاً وثيقاً بين هذا السؤال وسؤال (هل شهد المجتمع العربي في العصر الحالي نهضة إنسانوية؟). إن من ينظر إلى واقع المجتمعات العربية بعين الفاحص المدقق يُرعِبُه ذلك الانفصال الواضح والكبير ما بين الفرد والمجتمع وما بين المجتمع والحكومات. يرعبه ذلك التناقض العجيب ما بين أفراد شرائح المجتمع المختلفة.. فالثراء الفاحش يقابله فقر مدقع.. والمنفتح على العالم الخارجي ومجرياته يقابله المتزمت المنغلق.. ومن يملك وظيفة يقابله - وفي تناسب عكسي - زيادة في عدد العاطلين.. وهكذا دواليك، المجتمعات العربية مجتمعات صراع بين القوى والتيارات والطوائف المذهبية والأحزاب السياسية المختلفة.. الأمر الذي غيّب جذوة الرغبة للنهوض بالشعوب سياسياً واقتصادياً.. ثقافياً واجتماعياً.

إن قضية النهضة قضية الضرورة للتغيير والتحديث والتجديد، هي كيفية دخول المجتمعات العربية مدار العصر ورحاب الحضارة الحديثة.. هي التحول من مستهلك وتابع إلى منتِج مشارِك في صياغة وصناعة الحضارة والثقافة.. النهضة بكل مشاكلها وقضاياها هي عملية اجتماعية تاريخية.. جدالية وفكرية.. تتحول خلالها المشاكل والقضايا إلى مفاهيم وتنظيمات تفعل في المجتمعات المعاصرة.. وتدل بتكوينها ومضمونها على الشكل الذي يترتب عليه أي مجتمع.. كل حياته.. ماهية قضاياه.. مشاكله ومكانته في المجتمع الإنساني العربي بشكل عام.. وهنا يقف سؤال حائر: إلى متى تبقى المجتمعات العربية مكتوفة الأيدي أمام مشاريع نهضتها..؟؟!!

zakia-hj1@hotmail.com
Twitter @2zakia

عود على بدء
المجتمعات العربية والإخفاق في تحقيق المشاريع النهضوية
زكية إبراهيم الحجي

زكية إبراهيم الحجي

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

حفظ

للاتصال بناالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة