Al-jazirah daily newspaper

ارسل ملاحظاتك حول موقعناFriday 07/06/2013 Issue 14862 14862 الجمعة 28 رجب 1434 العدد

الأخيرة

متابعة

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

الرأي

ارتفعت في السنوات الأخيرة وتيرة الإعلانات عن احتياطيات نفطية ضخمة في العديد من الدول، مثلاً في فنزويلا جاء الإعلان أن احتياطي ذلك البلد قفز من حوالي 80 مليار برميل ليبلغ 296 مليار برميل...

... وأعلنت طهران من جانبها أن احتياطيها من النفط ارتفع من (137) ليبلغ (150) مليار برميل، والعراق رفع احتياطيه من (112.5) إلى (143) مليار برميل، لكن تلك المزاعم في رأينا تنقصها المصداقية وتثير الاستغراب وتبتعد عن الواقعية، فلا تعدو كونها تلويحات سياسية تريد منها تلك الدول دعماً لمواقفها السياسية الداخلية والخارجية (قوة ناعمة)، لكون سلعة النفط على المستوى الدولي اختلطت مفاهيمها بالسياسة والاقتصاد ولم يصبح النفط كما كان في عام 1973 مجرد سلعة اقتصادية بحتة.

نقول هذا لأن أرقام الاحتياطيات في تلك الدول معروفة منذ سنوات طويلة نتيجة أعمال مسح واستكشاف وتنقيب ضمن دراسات استمرت زمناً غير قصير، بل ان إيران والعراق ولأسباب سياسية وليست علمية رفعا احتياطيهما بشكل مفاجئ أثناء حربهما في عقد الثمانينيات ثم رفعا الاحتياطيات مرة أخرى في الألفية الثالثة لنفس الأسباب، وعلى نفس النهج جاء إعلان فنزويلا المفاجئ رفع انتاجها لكل خبراء النفط، والمراكز والوكالات المتخصصة.

على الجانب الآخر هاهي الولايات المتحدة الأمريكية تدخل سوق النفط الدولية معلنة طفرة انتاجها من النفط الصخري، الذي قالت عنه وكالة الطاقة الدولية في تقريرها نصف السنوي الذي صدر في الرابع عشر من مايو الجاري أن إنتاج الولايات المتحدة من النفط الصخري سيساعد على تلبية الطلب العالمي على النفط خلال السنوات الخمس الماضية، الذي قدرت الوكالة بأنه سيرتفع في الفترة الممتدة مابين 2012 و2018 بنسبة 8 في المئة ليبلع عام 2018 (96.7) مليون برميل يومياً.

ومع إعلان بعض الدول عن زيادات غير متوقعة في احتياطياتها البترولية وحدوث ثورة النفط والغاز الصخريين الأمريكي ودخول دول نفطية أخرى سوق النفط الدولية، وبلوغ عدد الدول المنتجة لهذه المادة السحرية اليوم أكثر من (90) دولة.

بينما في أوائل قرن النفط المنصرم كانت دولة واحدة هي (أمريكا) صاحبة إمبراطورية النفط والأخوات السبع تلك الشركات متعددة الجنسيات التي كانت هي المنتجة والمصدرة والمسعرة للنفط، الذي كان سعره عند إعلان ميلاده عام 1859 وتسعيره عام 1860 بحدود 9 دولارات للبرميل، وعند تأسيس الأوبك في أواخر 1960 كان بحدود (2) دولارا للبرميل.

اليوم ومع صدور تقرير وكالة الطاقة الدولية فإن سعر برميل النفط يحوم ما بين 100 و110 دولارات للبرميل، رغم ما قيل وملأ الغمام حول تخمة سوق النفط بالبراميل الزائدة عن حاجة المستهلكين، ورغم التأكيد بأن أمريكا ستتحول من أكبر مستهلك للنفط إلى مصدر له لتؤثر على معادلة العرض والطلب.

إلا أن الحقائق العلمية تقول بأن الحد الأعلى للإنتاج الأمريكي من النفط الصخري لن يتجاوز (7) ملايين برميل يوميا، وبالاضافة إلى إنتاج ذلك البلد من النفط التقليدي المقدر ما بين 6 - 7 ملايين ب/ي فالولايات المتحدة التي تستهلك أكثر من20 في المئة من الاستهلاك العالمي مابين 19 و20 مليون ب/ي، فان السوق الأمريكية ستبقى مفتوحة لاستيراد النفط خصوصا إذا عرفنا ان العالم اليوم يستهلك حوالي (90) مليون ب/ي، وان تقرير وكالة الطاقة الدولية حدده بـ96.7 مليون ب/ي بحلول عام 2018.

إن المتعمق في علم البترول والغاز والطاقة عموما يدرك أن عالم البترول والغاز سيبقى المحرك الرئيس للاقتصاد الدولي والعلاقات الدولية، وأن احتياطيه في تزايد مستمر فمع نهاية القرن المنصرم تضاعف الاحتياطي النفطي (500) مرة وهو اليوم بحدود (1.2) ترليون برميل، ومع تزايد الاحتياطي فإن الاستهلاك هو الآخر يقفز عاما بعد آخر نتيجة للاستهلاك المسرف للنفط ففي عام 1950 كان بحدود (20) مليون ب/ي، وأسرع بخطوات جريئة ليبلغ اليوم حوالي (90) مليون ب/ي، والأسعار هي الأخرى قفزت قفزات سريعة منذ عام 1973 مع اندلاع حرب رمضان المبارك لتسجل ارتفاعات متسارعة باستثناء نكسات أواسط الثمانينيات عندما انحدر السعر للبرميل الواحد إلى (7) دولارات تزامنا مع حرب الأسعار وأوائل التسعينيات عندما تدنت الأسعار إلى (10) دولارات للبرميل.

الأسعار اليوم لا زالت متماسكة، بل تميل إلى الارتفاع رغم رياح الصيف الحارة التي تعد أحد أسباب انخفاض الأسعار لكن العالم الذي عايش صدمات أسعار النفط التي خرجت من رحم الحرب على افغانستان والعراق وغيرها من الأحداث والحروب، لا زال هذا العالم يشهد وسيشهد توترات في سوق النفط وأسعاره واستهلاكه، فإيران مثلا تفرض عليها عقوبات اقتصادية بسبب ملفها النووي، وعلى ذمة الوكالة سينخفض إنتاجها مع حلول عام 2018 إلى (2.38) مليون ب/ي، ناهيك ما يشهده العراق من عدم استقرار غير مسبوق ونفس الحالة في ليبيا وكلتا الدولتين من أهم دول الأوبك، وتلك التوترات والنزاعات والصراعات في تلك الدول تترك أثرها السلبي على إنتاج وتصدير نفوطها.

أما سوريا التي تشهد حرباً أهلية مفتوحة راح ضحيتها أكثر من (82) ألف قتيل وآلاف الجرحى والمعاقين على يد النظام النصيري ناهيك عن ملايين المهجرين في الداخل والخارج، فان هذا يجعل النفط السوري حبيس الآبار إلى أجل غير محدد، كما أن أثر هذه الحرب التي يشنها النظام السوري الفاسد بدعم قوي من روسيا وإيران وحزب الله اللذين دخلا الحرب فعلا على الأرض في بلاد الشام ضد الجيش الحر، ولأن العراق هي معبر رئيسي لإمدادات ايران إلى سوريا وحزب الله فان الصراع قد يمتد إلى العراق باعتباره أحد أطراف المعادلة لتبعية المالكي ونظامه لنظام خامينئي، وهذا سيترك أثره على صادرات العراق البترولية مما يزيد الطين بلة، فذلك البلد يعيش صراعات داخلية وفتنا طائفية لا يعلم مداها إلا الله.

كل تلك الأحداث وغيرها في هذا العالم المتغير تترك أثرها السلبي على أسعار النفط وتترك الباب مفتوحا لارتفاع الأسعار خصوصا أن صندوق النقد الدولي يتوقع أن يشهد الاقتصاد الدولي نموا يبلغ ما بين 4 -5 في المئة في الفترة الممتدة حتى 2018، وهذا عامل هام يدفع بأسعار البترول إلى أعلى.

إننا مع المتفائلين من الخبراء القائلين بأن أسعار النفط ستبقى متماسكة، وأن الأوبك التي تبلغ مساهمتها في سوق النفط الدولية بحدود (40) في المئة ستبقى الجواد الرابح، وأن النفط التقليدي سيبقى في العقود الخمسة القادمة على الأقل السلعة الأهم في تزويد العالم بالطاقة خصوصا الدول الصناعية التي تستهلك (75) في المئة من إجمالي الاستهلاك العالمي من هذه السلعة (النفط) التي سيطرت على الأحداث العالمية على المستويين السياسي والاقتصادي منذ انطلاق أول رصاصة في الحرب الكونية الأولى لتصبح سلعة استراتيجية لا تجاريها سلعة أخرى ولتحل محل الفحم الذي كان الوقود صاحب اليد الطولى، وتعاظمت أهمية سلعة البترول مع اندلاع الحرب الكونية الثانية التي كان للنفط الأمريكي في زمانها القدح المعلى، ليكسب الحلفاء تلك الحرب المدمرة ولينهار النظام النازي إلى الأبد.

إن النفط الذي لعب دورا خطيرا في صياغة السياسة العالمية خلال القرن المنصرم مما أكد بشكل لا نزاع فيه الارتباط الوثيق للنفط بالسياسة، وهذه السمة ستبقى في هذه الألفية، بل ستزداد أهميتها لأن الذهب الأسود سيبقى أغلى وأهم سلعة عرفها التاريخ الإنساني أهم مصدر للطاقة في ظل موجة الاستخدام المسرف للبترول، وستبقى أسعاره متماسكة تدور ما بين 90 و100 دولار صعودا وهبوطا، وكل ما تحتاجه الدول الرئيسية المنتجة له هو الاستثمار في هذه السلعة وإدارتها إدارة حكيمة لتبقى رافداً للأجيال الحاضرة والمستقبلية وللاقتصادات والتطور والتنمية المستدامة.

والله الموفق

Eml:dredaljhani@hotmail.com
رئيس مركز الخليج العربي للطاقة والدراسات الاستراتيجية

الذهب الأسود بين السياسة والاقتصاد
د.عيد بن مسعود الجهني

د.عيد بن مسعود الجهني

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

حفظ

للاتصال بناالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة