Al-jazirah daily newspaper

ارسل ملاحظاتك حول موقعناSunday 11/08/2013 Issue 14927 14927 الأحد 04 شوال 1434 العدد

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

الرأي

كلاهما معروف مشهور على اختلاف الأزمان وفي كل مكان، أحدهما عُرف باعتباره مصدر إيذاء، والآخر عرف باعتباره مصدر شفاء ـ الذباب والنحل ـ كلاهما من فصيلة الحشرات، وعلى الرغم من التشابه بينهما في الشكل الظاهر ـ إلى حد ما ـ إلا أنهما في حقيقة الأمر يختلفان تماما في الجوهر، وفي طبيعة الدور، بل لا وجه للمقارنة بينهما البتة، شتان بين مشرق ومغرب، شتان بين من ديدنه وطبعه صناعة الأذى والمرض، والتنقيب عن القاذورات لكونه يتلذذ بالوقوع عليها ونشرها، وبين من ديدنه وطبعه صناعة الدواء والشفاء، والتنقيب عن أجمل الأزهار وأزكاها لكونه يتلذذ بالوقوع عليها وأكل رحيقها لتحويله مادة شهية تشفي من الأسقام.

ولردة الفعل عندما يرد ذكر الذباب والنحل صفة واحدة ثابتة متواترة في كل الثقافات، فالذباب يثير في النفس الاشمئزاز والنفور، ويستحيل أن يطيق أحد رؤية الذباب أمامه، أو أن يتقبله وهو يتربع جاثما فوق إناء أو مادة شرب أو أكل، الكل يسارع إلى طرده ومحاربته، بل والقضاء عليه، فالذباب شكلا ومضمونا مكروه مرفوض محارب، وهذا موقف طبعي يتوافق مع الانطباع المتوارث عن هذه الحشرة المؤذية الكريهة، ويعد وجوده في المكان دلالة على أن المكان وسخ، وأن أهله بالصفة نفسها.

بينما يثير النحل في النفس الابتهاج والسرور، ويستحيل أن يرى أحد النحل إلا ويرحب به، ويحرص على تهيئة البيئة التي تحفزه على البقاء والتكاثر، فالنحل شكلا ومضمونا محبوب مقبول مرغوب فيه، وهذا موقف طبعي يتوافق مع الانطباع المتوارث عن هذه الحشرة المفيدة المحبوبة التي تعد إحدى مصادر صناعة الشفاء.

ومن يتتبع سلوك بعض بني البشر يجد أن هناك فئة منهم تشبه الذباب في شكل الدور الذي يمارسونه في حياتهم اليومية، وفي مضمون مواقفهم تجاه الآخرين، فهم مجبولون على حب الشر والسعي في توتير العلاقات، إنهم لا يأتون بخير أبدا، وللذباب مخلوقات أخرى تشابهه ولا تقل بشاعة عنه، فالدود والسوس أمثلة كريهة على بشاعة شكل دورها في المحيط الذي توجد فيه، وما يترتب على هذا الدور من مفاسد ومخاطر.

في المقابل هناك فئة أخرى من بني البشر تشبه النحل في شكل الدور الذي يقومون به ومضمون مواقفهم تجاه الآخرين، فهم مجبولون على حب الخير والسعي في توثيق العلاقات والإصلاح بين الناس، فأدوارهم المجتمعية بناءة، ومواقفهم تجاه الآخرين إيجابية.

من الأمثال الدارجة على اللسان مقولة : فلان مثل السوسه، فالسوس من طبعه الإفساد بهدوء وبنفس طويل، وقد لا يرى إفساده للوهلة الأولى لكن الخبرة البشرية تؤكد أنه عندما يحل في مكان يحل معه الخراب والدمار، وهكذا فئة من بني البشر مثل السوس ينخر في العلاقات بين الناس يفسدها بالقيل والقال والكذب وتزييف المقولات، يقوم بهذا الدور القذر وهو في منتهى السعادة، وكلما زاد الجفاء بين الناس ازداد جهده في صناعة مواقف أخرى أشد إيلاما وتفريقا.

من المواقف التي يكثر التعرض لها وتكاد تكون متواترة عند أشباه السوس أو الذباب من بني البشر، ما أورده أحد الذين ناله أذى هذه الفئة الناشزة عن طبائع البشر وأخلاق الرجال، يقول : لاحظت على من أعده من الأصدقاء جفاء لم أعهده منه، وبعد تحر، تبين أن أشباه الذباب أو السوس ممن يعدون خارج إطار البشر، صنع من خياله المريض قصة أثارت غضب الصديق على صديقه فقرر مقاطعته قبل أن يتثبت من الموقف. ينجح مثل هذا الذباب في صناعة العداوة والبغضاء بين الأصدقاء؛ بسبب الإعراض عن توظيف هدي هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (6) سورة الحجرات، فالتبيُّن والتثبت عند التعرض لمثل هذه المواقف أولى من الانقياد لعاطفة تدفع إلى الهجر والتدابر دون مسوغ.

abalmoaili@gmail

أما بعد
مصادر الإيذاء والشفاء
د. عبد الله المعيلي

د. عبد الله المعيلي

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

حفظ

للاتصال بناالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة