Sunday 19/01/2014 Issue 15088 الأحد 18 ربيع الأول 1435 العدد
19-01-2014

وكالة (يقولون)..؟!

كان هذا هو محور لقائنا الأخير مع الأمير (خالد الفيصل) في مجالسه الأسبوعية المسائية المميزة والمتفردة.

اللقاء الأحدي العشريني -ربما- خلال سبعة أعوام.

وهو مخصص للمثقفين والإعلاميين والأكاديميين.

هناك لقاءات أخرى؛ سبتية، وإثنينية، وثلاثائية، وأربعائية، يُدعى لها القضاة والمشايخ، ورجال الأعمال، والمسئولون، ولقاءات أخرى للشباب، وهكذا كانت مجالس الأمير الأسبوعية- أمير منطقة مكة المكرمة السابق- ميادين للنقاش والحوار، ويصدر عنها رؤى عامة، وقرارات مهمة، وكانت تجسد بحق؛ منطلقات فكرية، وآفاقاً ثقافية، ومرتكزات علمية، وأخرى عملية، وساهمت إلى حد كبير، في التقريب بين القيادات الإدارية، وتوثيق صلاتها بكافة المواطنين، من خلال الشرائح التي كانت تمثلها في مجالس أمير المنطقة.

كان مدار الحديث في لقائنا الأخير في المجلس الأخير؛ قبيل انتقال الأمير خالد الفيصل إلى قيادة وزارة التربية والتعليم، هو الشائعات وما يدفع إليها، وما ينتج عنها من أضرار على الفرد والمجتمع، وهو محور جديد في شأن ثقافي لم يغفل عن الشأن الإعلامي؛ الذي أصبح مطية سهلة لنشر الشائعات والترويج لها في المجتمعات.

منذ أمد بعيد، ونحن نطلق على هذه الظاهرة السلبية في معظمها ( وكالة يقولون)، على اعتبار أن مصدر الشائعة في العادة غير معروف، وأن مروجها وباثّها هو الآخر غير معروف، وأن المتلقين لا يجدون ما يسندون إليه سوى قولهم: ( يقولون ).

ومع أننا خرجنا من المجلس قبل أن نشبع الفكرة ما تستحق من بحث، فقد شعرت أن هناك حاجة لمزيد من التداول؛ خاصة في جانبها اللغوي، يضاف إلى جوانبها النفسية والسياسية والاجتماعية وغيرها. هل ما يُطلق عليه شائعة هو ( شائعة )..؟ أم ( إشاعة )..؟

من الطريف في هذا الصدد؛ أني سألت أحدهم بعد ذلك بأيام: ماذا تعني مفردة ( إشاعة )..؟ فقال على الفور: ( يا رجل..! هي تصوير الجسم في المستشفى )..! وهذا خلط واضح بين ثلاث مفردات: ( شائعة - إشاعة - أشعة ).

فالأشعة هي خيوط شعاع الشمس والقمر.

ومنها أخذ الاسم للأشعة الضوئية المسلطة من الليزر في استخدامات شتى ومنها الطب. أما الإشاعة، فهي تضخيم للأخبار الصغيرة، وإظهارها بصورة تختلف عن صورتها الحقيقية، فهي إذن أخبار موجودة في الأصل، ولكن يتم إظهارها بصورة مختلفة عن حقيقتها، بالتهويل والتعظيم.

أما ( الشائعة )؛ فهي أقوال أو أخبار أو أحاديث يختلقها البعض لأغراض خبيثة، ويتناقلها الناس بحسن نية في الغالب، دون التثبت والتحقق من صحتها.

والشائعة ظاهرة اجتماعية وثقافية معروفة في حياة البشر منذ البدء، وهي أقاويل وأخبار تسري بين الناس بقصد الإرجاف، صحيحة كانت أو غير صحيحة، إما بالتصريح، وهذا قليل، أو بالتلميح، والتلويح، والإشارة، والإيماء، والرمز، والغمز. وتقوم على أسباب ودوافع، ولها نتائج وخيمة، ومصدرها في العادة أفراد، أو جماعات، أو حتى دول، فيما يسمى بالحرب النفسية، للتأثير على دول وشعوب، وهزيمتها في حروب ساخنة أو باردة.

من أسباب الشائعات: الهوى، والجهل، والنفاق، والفراغ، ومرض القلب، ومحبة الإرجاف، وإخافة الناس، إلى غير ذلك. ونتائجها السلبية كثيرة لا تعد ولا تحصى، فهي تمزق معنويات البشر، وتحجب الحقائق، وتشتت المجتمعات.. إلى ما هنالك.

من هم ضحايا وكالة (يقولون) هذه..؟

إنهم كثرة.. يأتي في مقدمتهم ضعاف الناس من أصحاب الشخصيات المهزوزة، والمجتمعات غير الواعية، التي يسهل اختراقها والتأثير عليها، خاصة في زمننا هذا، حيث تعددت وسائل التواصل الاجتماعي، وتنوعت المنابر الإعلامية، وتحول العالم إلى قرية تفتح أبوابها ونوافذها على بعضها، ولا عاصم من هذا كله، إلا بالوازع الديني، الذي يردع المشيعين، ويحمي المتلقين، فقد جاء الإنكار والتحذير والنهي عن الهمز واللمز في القرآن الكريم: (هماز مشاء بنميم)، ( ويل لكل همزة لمزة )، وطلب الشارع من المتلقي؛ التثبت والتيقن قبل الأخذ بما يقال: (إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا).

إن اختلاق الأخبار الكاذبة؛ والسعي لبثها بين الناس، هو جرم كبير، وواحدة من سوءات اللسان المرفوضة ديناً وعرفاً وخلقاً.. قال شاعر:

إِذا رُمْتَ أَنْ تَحْيَا سَليمًا مِنَ الرّدَى

وَدِينُكَ مَوْفورٌ وَعِرْضُكَ صَيِّنُ

فَلا يَنْطِقَنْ مِنْكَ اللِّسَانُ بِسَوْءَةٍ

فَكُلُّكَ سَوْآتٌ وَلِلنَّاسِ أَلْسُنُ

ونختم بهذا القول الجميل لشاعر شعبي؛ يرى أن اختلاق الشائعات ونشرها؛ هو من أكبر المصائب في حياة الناس، ومعه حق في هذا:

والناس فيهم دايم قروم وعفون

القرم يبقى والعفن في حريقه

شيٍ يكون وشي لا يمكن يكون

تفطنّوا يا أهل الوجيه الطليقه!

أكبر مصايبنا (وكالة يقولون)

واخفهّن فقد الصديق لصديقه!

H.salmi@al-jazirah.com.sa

alsalmih@ymail.com

مقالات أخرى للكاتب