Monday 03/03/2014 Issue 15131 الأثنين 02 جمادى الأول 1435 العدد
03-03-2014

المملكة في مؤشر الديموقراطية

حسب دراسة نُشرت في مجلة الإيكونوميست عن مؤشر الديموقراطية ظهرت المملكة في مركز لا يتناسب مع الواقع ومكانتها السياسية والاقتصادية حسب وجهة نظري، إذ لا يُعقل أن تتبوأ دولة في حجم المملكة المركز 163 من مجموع 167 دولة، متقدمة فقط عن أفريقيا الوسطى وتشاد وكوريا الشمالية، وتتبوأ المركز قبل الأخير عربياً، بينما تحتل مملكة السويد المركز الأول في العالم، وهو أمر يستحق الاهتمام، ويدعو للعمل على إبراز ثقافة الديموقراطية في المملكة، لكن ذلك لا يعني تشجيع الأيديولوجيات السرية، أو الفوضى، ومن ثم الإخلال بالأمن الوطني.

من خلال رؤية تفاؤلية حاولت أن أرسم مشاهد عن التطور النوعي في بعض مشاهد التعددية والحرية في المجتمع السعودي، أو بمعنى آخر سأنظر من خلال رؤية إيجابية لوطن يستحق أن يكون في مصاف الدول المتحضرة، فقد حدثت بالفعل تطورات اجتماعية، وإن كانت في أبسط الأشياء مثل الملابس، أو في أكثر الأشياء تحفظاً مثل عمل المرأة أو الاعتراف باختلاف الآخر، وهو ما يعني أن ثمة بوادر خروج من زي الأحادية المطلقة..

أصبح التنوع ظاهرة جديدة في المجتمع السعودي، ولو نظرنا من خلال زاوية تكشف المتغيرات خلال أربعين عاماً لظهرت لنا صورة حقيقية عن المشهد الحضاري للوطن، ولنبدأ بأبسط الأمور مثل ألوان الملابس في ملاعب كرة القدم خلال أربعين عاماً، لتبين أن الاختلاف أضحى واضحاً، فقبل ثلاثة عقود كان المدرج يتسم بالبياض، وذلك لاستعمال الناس زي موحد بسبب الرؤية الأحادية للأشياء، كما ظهرت في المباريات القديمة التي تبثها القناة السعودية الرياضية، بينما تبدو الصورة في الوقت الحاضر متنوعة ومتعددة الألوان، ويظهر فيها اختلاف الأزياء والألوان، وقبول المجتمع لذلك التنوع.

في أقصى درجات المحافظة، أيضاً حدث الاختلاف في المشهد الديني، بعد أن كان الإجماع ملزماً للجميع، وتظهر فيه الطاعة والالتزام التام بالجماعة الدينية، وهو مرشح لمزيد من الاختلاف الإيجابي، وهو ما أحدث نوعاً ما من قبول الآخر، كذلك كان الانفتاح الفقهي على المذاهب الأربعة نهجاً للخروج من القيود، ولعل المنتظر أن تذوب الفروقات بين المجتمع الديني والمجتمع المدني، وأن تذوب الخصوصية الدينية في المدنية، وأن يتم التعامل مع الموضوع، وليس الشخص، وقد أستطيع القول إن عالم الدين أضحى أقل تشدداً، وربما أقل تشنجاً مع الآخر من قبل ثلاثة عقود، كما أصبح أكثر قبولاً لخروج المرأة وعملها في الأسواق ومشاركتها في مجلس الشورى وانتخابات الغرف التجارية، وحقها في الابتعاث الخارجي.

في المشهد الإداري حدثت تطورات تبدو في إطارها العام أكثر قبولاً لاستقلال السلطات من ذي قبل، كان من أهمها حدوث انتخابات مجلس بلدي، والاهتمام بحقوق الإنسان، وخروج هيئات مرتبطة بأعلى سلطة لمحاربة الفساد، وظهور مشروع وطني لتطوير القضاء، وإن كانت خطواته لا تزال تبحث عن استقلال أكثر، كذلك في مجال التنمية بدأت الصورة تأخذ أبعاداً أكثر، فالمناطق النائية صارت أكثر مدنية من قبل، فانتشار الجامعات في مختلف المناطق عنوان رئيسي في خطوة التغيير نحو المستقبل، ربما يشهد العقد القادم متغيرات أكثر في هذا الشأن.

في الإعلام والرأي العام حدث اختلاف جذري، فقد نالت حرية الرأي بعض من حريتها في كثير من الأوجه، وأصبح النقد العام البنّاء أمراً مقبولاً، وساهمت وسائل الاتصال الاجتماعي في ذلك التغيير، كما ظهرت الجرأة في البرامج التلفزيونية التي تناقش هموم الوطن، واتضحت في تلك البرامج الرغبة الوطنية في عبور بعض الحواجز التي تقف ضد تطور المجتمع، مثل البيروقراطية والمركزية، والتي تعتبر حواجز ضد ثقافة الديموقراطية.

في الاقتصاد تقدم المجتمع في فهم النظام الاقتصادي، بعد أن شارك علماء الدين في تصحيح بعض المفاهيم، وبفضل بعض إسهاماتهم تداخلت بعض المبادئ الاقتصادية الإسلامية مع النظام الغربي الرأسمالي، برغم من ظهور بعض المشايخ في كثير الأحيان كدعاية للمنتجات البنكية، وقد كان الحل التوفيقي ضرورياً لصدام طال أمده، ومن المؤكد أن الوعي الاقتصادي للمواطن تحسن بعد كارثة الأسهم الشهيرة، ومنها بروز ظاهرة الحرص على المدخرات المالية ونزاهة رصيده الاقتصادي، ويعد ذلك نقله في الطريق نحو المستقبل، فالسعي نحو الثروة حق مشروع للجميع.

من وجهة نظري لا تستحق المملكة الدولة العربية الأهم أن تكون في المراكز الأخيرة في سلم الديموقراطية العالمي، ويحتاج الأمر لإيضاح ذلك إلى مزيد من الجهد الإعلامي، وإلى مبادرات تعزز من الثقافة الديموقراطية في المجتمع من أجل إكمال مهمة الخروج من خندق الأحادية، والله على ما أقول شهيد.

مقالات أخرى للكاتب