Thursday 24/04/2014 Issue 15183 الخميس 24 جمادى الآخرة 1435 العدد
24-04-2014

إرهاب الشوارع .. وغياب تطبيق القانون؟ أين الخلل؟

قال أمير منطقة الرياض الأمير خالد بن بندر بن عبد العزيز: إن الإمارة فتحت تحقيقاً في قضية أبناء الداعية بوزارة الشؤون الإسلامية سعود الدحيم الخمسة (ابنه و4 من بناته)، الذين لقوا مصرعهم في حادث مروري مروع صباح الجمعة الماضي (أكتوبر 2013) بحي الياسمين شمال مدينة الرياض،

مشيراً خلال اتصال هاتفي للأسرة لتقديم التعزية، إلى أن الإمارة ستتابع ملف القضية كاملاً.

وفي تفاصيل جديدة حول الحادثة، أوضح أحد أقارب الضحايا، ويدعى عبدالرحمن الماجد، أن الشخص المتسبب في الحادث كان يقود سيارته وهو مخمور وبسرعة أكثر من 180 كلم في الساعة، ما أدى لاصطدامه بالرصيف، قبل أن يصطدم بالسيارة التي يستقلها الشاب الضحية عبد الملك الدحيم وشقيقاته الأربع، ما أدى لانقلاب سيارتهم ومصرعهم جميعاً.

وعلى نفس السياق تناقلت الصحف خبر السيارة التاهو التي هوت من أحد الجسور في جنوب الرياض حيث توفي سائقها وامرأة وأصيب الباقون بإصابات بليغة واتضح من المتابعة أن أحد الشباب المتهورين كان يلاحق السيارة حتى أسقطها وأنه ربما كان تحت تأثير المخدرات.

أين نعيش؟ في غابة مخيفة لا يجاورنا فيها أحد؟ ولا نفرق فيها بين شارع وصحراء ممتدة أمام أعيننا دون خطوط؟

حوادث السيارات في المملكة في غالبها وكما أوضحت دراسة مولتها مدينة الملك عبدالعزيز تحت عنوان الآثار الاقتصادية للحوادث المرورية ونشرت هذا العام إنما تعود في معظمها للعنصر البشري إما بسبب السرعة أو التهور أو عدم احترام القوانين المرورية من تجاوز للسيارات الأخرى أو للإشارات الضوئية أو بسبب استخدام الجوال الذي يرفع احتمالات الحوادث 400% لكن تبقى السرعة والتهور واستخدام المخدرات كأكثر عاملين اثنين يؤديان إلى ما نسبته 70% من مجمل حوادث السيارات والتي تؤدي إلى وفاة أكثر من سبعة آلاف شخص وإصابات وإعاقات ل 40 ألفا آخرين (أية حرب ضروس هذه التي نعيشها فنقتل فيها بعضنا البعض)؟؟

والمشكلة أن مأساة هذه الحوادث لا تقف عند حدود من ماتوا فيها يرحمهم الله جميعا وينزل على ذويهم الصبر والسلوان بل هو يبقى مع المصابين الذين يقعون ونتيجة لهذه الحوادث ضحايا لكثير من الإعاقات البدنية والعقلية والنفسية فهم يكونون ضحايا للاكتئاب والقلق واستعادة الذكريات الأليمة ولا تنسى من حولهم من أمهات وآباء وأقارب ممن يتجرعون مرارة الفقد بما يحمله من أذى نفسي وعقلي ينتهي بأصحابه في الغالب إلى المستشفيات كما يعيقهم عن أداء وظائفهم الطبيعية في الحياة ويجعلهم معتمدين على من حولهم لفترة ليست بالقصيرة.

ولا أزال أتذكر زميلتنا التي فجعت قبل سنوات بفقد ابنها الذي تخرج لتوه من الثانوية وكم بقيت من سنوات تحاول التأقلم مع فكرة فقده ولم تستطع وهاهي زميلتنا الأخرى تفقد ابنها المتخرج من الجامعة قبل شهر تقريبا وهكذا دواليك من حادثة وعزاء إلى آخر في مشاهد لا ننتهي من أمهات مكلومات وزوجات محطمات وأيتام صغار يقف الزمن لهم بالمرصاد.

والسؤال الكبير بكبر بحجم المأساة هو.. لماذا؟ وما هو الخطأ فينا؟ ألا نتعلم؟ ألا نرتدع فنخاف على أبناء الناس خوفنا على أبنائنا؟

هل هناك عوامل ثقافية أو نفسية أو بيئية تدفع بالناس إلى السرعة والتجاوز؟

لا بد أن العوامل النفسية تلعب دورا كبيرا في ارتفاع نسبة حوادث السيارات في المملكة ولاحظ السائقين في سيارتهم تبدو عليهم سيماء الغضب والتسرع والعجلة وعدم الالتفات إلا لإنهاء أمرهم فهذا عامل يطارده سيده بالتلفونات لتوصيل كذا وكذا وهذا مراهق يلعب بالديركسون كما يلعب بالبلاي ستيشن في منزله وهذا رجل بالغ مقطب يفكر في هموم يومه دون أن يعير الطريق أثناء قيادته أدنى أهمية وذلك شاب يقف بكل رعونة وسط الطريق وينزل للبقالة غير آبه بوقت الناس أو أشغالهم وهكذا وهكذا.. شيء ما يجمع كل ذلك هو التفكير في الذات والانغلاق على حاجاتها دون وضع مرتبة للحاجة العامة ومنها سلامة من في الطريق. أيضا يمكن لنا ملاحظة ظاهرة (التحدي) التي يمكن لك أن تفجرها مثلا في شوارع الرياض بكل بساطة فكل واحد من هؤلاء السائقين مستعد لتحديك وتجاوزك ولو بمخالفة القوانين لو شعر أنك تهدد كبرياءه الذي يستخدم فيها السيارة كرمز لهذه الكبرياء فكيف تتجاوزه مثلا أو تسرع أكثر منه سيغضب ويلقي بكامل سيارته في وجهك ويعطيك تلك النظرة الرعناء وعليك أن تستلم النتائج الوخيمة لقيادة عاطفية مع شخصيات قلقة ومستعجلة دائما!

كثير من الحوادث تحدث أيضا بسبب العنصرية البغيضة وكامرأة أؤكد لكم أن سائقي بلا شك يتعرض لتجاوز وإهانة من السائقين السعوديين تقريبا كل يوم وحالهم يردد.. هندي سواق.. أنت روح. ومن ثم فتجاوزه ولو تعرض لخطر أمر جائز والوقوف وغلق الطريق على سيارته جائز وهكذا.

أمر آخر لابد أنه يساهم في ارتفاع وتيرة الحوادث وهي حرب المسكرات والمخدرات في شوارعنا وهذه تحتاج إلى مقالة مستقلة لكن من المذهل حجم ما قام به حرس الحدود في إبطال إدخال حبوب مخدرة إلى السوق السعودية قدرت بالمليارات وهو ما يشير إلى حجم الطلب الذي يبدو مخيفا لكن علينا فعلا أن نخاف الآن من أي شاب في الثانوية أو الجامعة بعد أن انتشرت هذه المخدرات انتشار النار في الهشيم ومن ثم فلا يجوز الوقوف ساكتين بدون قوانين تضبطها كما في الدول الأخرى. علينا أن نعترف أن لدينا مشكلة كبيرة وكبيرة جدا في هذا المجال وعلينا تباعا تجريم من يقود وهو تحت تأثير أي نوع من الكحول أو المخدرات بحيث تكون نسبة التحمل صفر كما في الدول الأخرى أي ولا أثر لنقطة واحدة في الدم ماعدا ذلك فتسحب الرخص بالإضافة إلى العقوبات الأخرى المرتبطة بالحوادث التي يسببها المتعاطي.

ماذا يجب أن أقول في نهاية هذا المقال: أدعو الله أن يحفظنا جميعا من أخطار هذه القنابل البشرية غير المرئية التي تتجاور معنا وأبناءنا الطريق صباحا مساء وأن يمن الله علينا بهداية ما تمنحنا قدرة على التبصر في مشكلاتنا ووقف النزيف البشري المستمر.

مقالات أخرى للكاتب