Thursday 15/05/2014 Issue 15204 الخميس 16 رجب 1435 العدد
15-05-2014

الإنكار عن بعد!

لقد اختلت الموازين، واختفى المنطق، ولم يعد هناك بد من استخدام العقل، ليستطيع الإنسان تمييز الخبيث من الطيب، فقد مضى الزمان الذي اتسم فيه الناس بالصفاء، والنقاء، والصدق، إذ كانوا متحابين، ولم يكن هناك تصنيف، وكان حسن النية هو السائد، إنه الزمن الذي يطرق الرجل باب جاره الغائب ليتفقد أسرته، دون أن يتهم في نيته، أو يمتحن في دينه، ولا نذكر في ذلك الزمان أن أحداً كفر أحداً، أو زندقه، ناهيك عن أن يطالب بقتله، ولم يكن حينها تسييس الدين معروفاً، وكان المشايخ يتهيبون الفتوى، ويحيلها كل واحد منهم إلى الآخر، بل إن بعض القضاة كان يستشير منهم أكثر منه علما إذا استشكلت عليه قضية، ولا يجد غضاضة في ذلك، بل يفاخر به، فما يهمه هو « العدل» كقيمة، لا التفاخر، والتباهي على أقرانه، فما الذي يجري يا سادة!.

لقد اختلت المعايير، ولم يأتنا هذا الاختلال اللامعقول إلا بعد تسييس الدين، فقد استمعت إلى محاضرة (دردشة) لمفحط سابق، وداعية حالي!!، وهذا يحصل، ولا يزال، إذ طالما أن لهذا المفحط جماهيرية كمفحط، فما الذي يمنع من أن يستقطب كداعية، بعد أن تتم هندسته شكليا، بما يتناسب ودور الداعية، طالما أن جماهيره ستأتي معه، فالمهم هو الانتصار على الخصم في المعركة الفكرية المفتعلة، وليس البحث عن الحق، والطريق القويم، ولهذا السبب تكثر - للأسف - أخطاء المتدينين، وعوداً على محاضرة الداعية، فقد لفت نظري أنه تحدث عن أهمية الجهاد، وعن المنكرات هنا في المملكة!! هذا، مع أنه هاجر من هذه البلاد المباركة إلى بلد آخر، وألقى محاضرته منها، غير بعيد عن كل المنكرات العلنية في ذلك البلد، ولكنه لم ير المنكرات هناك، طالما أنه ينعم بخيرات البلد الذي توجد فيه، وهو هنا يذكرني بدرويش ظريف، له قصة حقيقية تتناقلها الأجيال!.

هذا الدرويش جاء من بلدته إلى الرياض، في الثمانينيات الهجرية، وسكن في ملحق بمنزل شيخ جليل، وكريم، وذات يوم قرر الدرويش أن يعظ المصلين، بعد صلاة العشاء، فبدأ موعظته بالتحذير من التلفزيون، وأخطاره، وأنه أحد أهم مسببات فساد الأسر، ثم أسهب في الحديث عن ذلك، ويبدو أنه تذكر أنه يقيم في منزل يوجد فيه تلفزيون، وهنا قال: «التلفزيون حرام، حرام، إلا التلفزيون الذي في بيت فلان»، وذكر اسم الشيخ الذي يقيم في منزله، وحينها ضحك المصلون، وقاموا لأداء السنة الراتبة، والخلاصة هي أننا نعيش في زمن تم فيه تسييس الدين، والسعيد هو من استخدم عقله، حتى لا يقع ضحية لكل متسلق باع ضميره، ودينه لمن يدفع أكثر، فهل تفعلون؟!.

ahmad.alfarraj@hotmail.com

تويتر @alfarraj2

مقالات أخرى للكاتب