Sunday 15/06/2014 Issue 15235 الأحد 17 شعبان 1435 العدد
15-06-2014

مصر من: أحد «الثورة» .. إلى أحد «الاستقرار»..؟!

رغم معرفتي الطويلة بـ (مصر) سائحاً وطالباً وصديقاً للكثيرين من أبنائها وعاشقاً لـ (تاريخها).. ورغم ثقتي بـ (شعبها) العملاق في صبره وبأسه وقدراته الخلاّقة المبدعة.. فلم أكن أتصور أنه قادر على أن يصنع خلال أحد عشر شهراً وثمانية أيام.. يوماً نضراً نضارة شمسها، متدففاً..

تدفق نيلها.. مخضراً.. خضرة (غيطانها): كيوم (الأحد) الماضي - الثامن من شهر يونيه - بـ (مفرداته) الدقيقة المتعددة التي تم إنفاذها خلال ثلاث ساعات بأعلى درجات السلاسة والإتقان والإبهار، وكما سمعها وشاهدها العالم أجمع عبر إذاعات القاهرة وقنواتها التلفزيونية الأرضية والفضائية الرسمية والخاصة.. ومشاهده تتنقل من مبنى الجمعية العمومية لـ (المحكمة الدستورية) في (المعادي) حيث حلفَ رئيس مصر (السادس)، إجمالاً و(الأول) في جمهوريتها (الثالثة) تخصيصاً: المشير عبد الفتاح السيسي (اليمين الدستورية).. إلى مبنى (قصر الاتحادية) - العروبة سابقاً - في (مصر الجديدة) حيث تم تسليم مقاليد الرئاسة من الرئيس المؤقت (عدلي منصور) إلى الرئيس المنتخب (المشير عبد الفتاح السيسي).. حيث ألقى خطاب شكره وتقديره وعرفانه لـ (ملايين) المصريين الذين انتخبوه بتلك الصورة الكاسحة التي أخجلت بـ (أرقامها) مدّعي الشرعية.. المطالبين بعودتها، ولـ (رئيس) مصر المؤقت (عدلي منصور)، الذي قاد مصر بحكمة وعدل وحنكة.. خلال تلك الأحد عشر شهراً: من الثلاثين من يونيه 13 إلى الثامن من يونيه 14.. فإلى (قصر القبة) الأشهر.. ليلقي (الرئيس) كلمته الترحيبية بملوك ورؤساء وأمراء دول وحكومات العالم العربي والغربي والشرقي والأفريقي، الذين قدّموا التهنئة لـ (الرئيس) في يوم تنصيبه.. بتلك الصورة الباذخة في جمالها بين شوارع القاهرة وميادينها وجماهير مصر تهتف بأصواتها وتلوّح بأعلامها فرحاً وابتهاجاً بذلك اليوم، ليختتم الرئيس يومه.. مساءً في (قصر القبة) أجمل وأعظم ختام بخطابه (الأول) إلى الأمة، وبـ (قراره) الأول بمنح الرئيس السلف عدلي منصور (قلادة النيل) التي تُمنح للملوك ورؤساء الجمهوريات ومن في حكمهم.. تقديراً لشخصه، وعرفاناً بدوره الوطني الذي قاد به مصر - في أحلك ساعاتها - إلى استحقاقات (خارطة المستقبل) التي أفرزتها ثورة الثلاثين من يونيه الماضي الحاشدة.

* * *

نعم، كان يوم الأحد الماضي - الثامن من يونيه - (واقعياً) بمفرداته وتفاصيله.. والرئيس يتنقل فيه من موقع إلى آخر.. من مبنى (المحكمة الدستورية) جنوباً.. إلى (قصر الاتحادية) شمالاً.. إلى (قصر القبة) غرباً، ولكنه بدا - لمتابعيه ومشاهديه - كـ (الخيال) في جماله وعذوبته وسلاسته.. وهو يعيد إلى أبناء مصر ومحبيها وعشاقها.. ملمحاً من صورة (مصر) التي عاشوها وأحبوها وعشقوها وهاموا بها.. وملمحاً من صورة (وفائها) الأسطوري الذي تعلمته من (إيزيس) و(أوزوريس) ومن وفاء فيضان نيلها الذي يتجدد كل عام.. عندما قدمت مصر - عبد الناصر - من قبل - (قلادة النيل) لكاتب (عودة الروح) الملهمة الأستاذ توفيق الحكيم.. لتقدم مصر - السيسي - من بعد - (قلادة النيل) لرجل الأحد عشر شهراً المنجزة المثمرة (عدلي منصور)، التي أوصلت مصر إلى (دستور) المواطنة والعدالة والحريات والحقوق (دستور 2014م)، وإلى انتخاباتها الرئاسية المبكرة التي جاءت ببطل إنقاذ ثورة الثلاثين من يونيه الحاشدة (عبد الفتاح السيسي) إلى سدة الرئاسة.. بعد إعلان انحيازه لـ (الثورة) بداية، ورفضه لأوامر الدكتور مرسي - نهاية - بإنزال (الجيش) إلى الشوارع والميادين لإرهاب الثورة.. وتفريق تلك الملايين، التي ما كان لـ (عاقل) أن يغامر بقرار تفريقها بدرجاته.. من استخدام المياه، إلى القنابل المسيلة للدموع.. إلى الخرطوش.. إلى استخدام الرصاص الحي، وهو ما فعله (السيسي) على المستوى الداخلي.. عندما لم يسمح لـ (جيش مصر).. بأن يواجه (شعب مصر)!! تماماً.. وكما فعل ذلك وزير الخارجية (محمد كامل عمرو) على المستوى الخارجي.. عندما رفض أوامر (مرسي) باستدعاء قوات أجنبية لمواجهة (انقلاب) الجيش على (الشرعية)!! وآثر (الاستقالة) والذهاب إلى منزله مع إبلاغ ما حدث للفريق السيسي.. نجم ثورة الثلاثين من يونيه.

لقد كان إلى جانب إنجازيْ (الدستور) و(الانتخابات الرئاسية).. في تلك الأحد عشر شهراً العصيبة في حياة مصر.. إنجاز (ثالث) أعظم لا يقل عن سابقيهما.. هو (احتواء) الرئيس المؤقت - ابن المحكمة الدستورية الذي فاجأ الجميع بأدائه (الرئاسي) الرائع - لـ (الفظائع) السياسية والوطنية التي ارتكبها الرئيس مرسي وجماعته، ولـ (حالة) الهستيريا السياسية التي اجتاحتها.. بعد الإعلان عن قرارات ثورة الثلاثين من يونيه - التي تم الإعلان عنها في الثالث من يوليه - والتي بدأت بقتل المتظاهرين الذين حملوا لافتات (ارحل) و(يسقط حكم الإخوان).. والذين بلغوا في تلك الليلة الدامية سبعين شهيداً، إلى قتل ذلك الشاب السكندري المعارض لهم وإلقاء جثته من الدور الثاني إلى الأرض.. إلى قتل جنود الأمن المركزي الأربعة والعشرين في سيناء عند عودتهم من إجازاتهم إلى (رفح).. إلى قتل مسلمي الشيعة الأربعة في قرية (أبو النمرس) من قرى محافظة (الجيزة).. إلى إشعال النار في (القاهرة) نفسها، وحرقها: بمساجدها وكنائسها ومبانيها الحكومية ومؤسساتها وشركاتها الأهلية الخاصة.. في مشهد باكٍ حزين يذكّر بحريق القاهرة التاريخي في السادس والعشرين من يناير من عام 1952م، الذي أسقط (حكومة) وأزال (عهداً) بكامله..!!

ولقد امتدت سياسة الاحتواء و(التفريغ) التي اعتمدها الرئيس - المؤقت - عدلي منصور وحكومته برئاسة الدكتور الببلاوي بـ (صبرها) وهدوئها وأناتها.. إلى معالجة أعجب اعتصامين في تاريخ العالم بطوله، وأعني بهما اعتصامي (رابعة) و(النهضة).. اللذين كانا هدف الحشد من ورائهما.. تقديم صورة - للعالم الخارجي - عن مصر (المضطربة) بعد عزل رئيسها الشرعي..! أما داخلياً.. فقد كان الهدف هو إشغال الرئيس وحكومته لإيقاف (خارطة المستقبل).. عن استكمال بنودها بعد النجاح الساحق في صياغة دستور 2014م، والتصويت عليه بنسبة قبول زادت عن الخمسين بالمائة.. وإلى أن تم فض الاعتصامين.. ليعلن الرئيس عدلي عن موعد إجراء الانتخابات الرئاسية، والتي تم التبكير بها على الانتخابات التشريعية - أو البرلمانية - لقطع الطريق على (ذيول) الجماعة والمنتفعين بها، فلا يصل أحد منهم إلى الانتخابات الرئاسية عند إجرائها.. حتى ولو وضع على رأسه قبعة أمريكية أو بريطانية وعلّق بين شفتيه سيجاراً كوبياً، إذ يكفي مصر في تاريخها السياسي: (إخواني).. واحد!! لتدور الانتخابات المبكرة بين (رجلين).. لا خلاف على وطنيتهما وحبهما لمصر، وإيمانهما بدورها العربي القائد الذي تخلت عنه مصر - مبارك، واستبدلته مصر - مرسي بأممية لا طائل من ورائها.. هما: (حمدين الصباحي) بطموحاته الشعبية، والفريق عبد الفتاح السيسي.. بـ (إنجازاته) الوطنية الحاسمة على أرض الواقع، فيفوز (السيسي) اكتساحاً.. بـ (98%) من أصوات الأربعة والخمسين مليون ناخب التي لم يحصل على مثلها إلا (عبد الناصر) في الاستفتاء على رئاسته.. بعد تأميمه لقناة السويس، فتطير (مصر) فرحاً.. وتسبح أملاً.. وتغرد يقيناً بغد سعيد واعد متوقع.

* * *

لقد كان الفرح أسطورياً دون شك.. بـ (تنصيب) المشير عبد الفتاح السيسي في ذلك اليوم النضر من أيام مصر.. حتى بدا للبعض كما لو أنه أكثر مما يجب، إلا أن حقائق ما جرى خلال الأحد عشر شهراً من حكم مرسي وجماعته، وخلال الأحد عشر شهراً التي جاءت بعد عزله.. كانت تقدم مفردات ذلك الفرح الأسطوري وأسبابه، والتي بدأت بـ (آراء) الفريق السيسي.. التي قدمها للرئيس مرسي قبل اندلاع ثورة الثلاثين من يونيه، وهو يطالبه بإجراء مصالحة.. مع المعارضة يلتئم بها شمل (الوطن)، فقبلها شكلاً ورفضها موضوعاً، ثم.. بطلبه دعوة جميع أطياف وأطراف المعارضة إلى إفطار رمضاني تتصافى فيه القلوب، فقبل بداية.. وامتنع نهاية، فـ (بتحذيره) من عواقب ما قد يحدث.. فاستخف واحتمى بالتنظيم الدولي للإخوان، فـ (بإنذار) الثماني والأربعين ساعة.. الذي رد عليه بخطاب هو (الكارثة) بعينها، لتندلع الثورة.. وينحاز إليها الفريق السيسي، ليرشح نفسه للرئاسة بطلب الجماهير وضغوطها، فيفوز فوزه الكاسح.. وينفجر ذلك الفرح الأسطوري بين المصريين في الداخل ومحبي مصر في أرجاء الوطن العربي في الخارج، لتأتي تهنئة خادم الحرمين عبر نائبه الأمير سلمان.. وعبر برقيته الفريدة في حجمها والعظيمة في محتواها.

نعم.. كان الفرح أسطورياً (ناطقاً) بتولي المشير السيسي وتنصيبه.. يتكلم ويغني ويرقص في الشوارع والميادين، وكان أسطورياً (صامتاً) تلمحه وتقرؤه في العيون.. بـ (خلاص) مصر من حكم الإخوان الذي جربوه وتجرعوه طيلة أحد عشر شهراً: حكم (تقسيم) الوطن والأمة.. و(الجيش الحر) الذي يقاتل (جيش الوطن).. والتهديد بـ (الحرب الأهلية) إن لم تستمع الأمة إلى نصح الجماعة ومرشدها ونبيها الدكتور (محمد بديع) رضي الله عنه..!!

فسر يا فخامة الرئيس.. على بركة الله، وقلوب المصريين معك.. وأيادي محبي مصر السعداء بعودتها تؤيدك وتؤازرك.

مقالات أخرى للكاتب