Thursday 19/06/2014 Issue 15239 الخميس 21 شعبان 1435 العدد
19-06-2014

إرهاب وفوضى وتقسيم دول شرق أوسطي خلاق !

لا أحد يعرف ما الذي سيكون فعلاً على أرض الواقع في العراق حين يتم نشر هذه المقالة يوم الخميس.. بهذه الوتيرة المخيفة تتسارع الأحداث التي أفاق العالم على بدايتها بعد صفعه بالمسرحية المحبوكة: تراجع جيش بكامله أمام أقل من 800 رجل داعشي متوحش!

هم على مشارف بغداد الآن، وكما سمعنا بعد أن بدأوا بتعطيل مطارها، ولذا فكل ما قد يخطر علي أذهاننا من تفسيرات قد يكون الآن جائز: مخططات شيطانية وفكر غربي تآمري قرأنا عنه قديماً وبدأ في بداية القرن العشرين مع الإنجليز من تقسيم أرض فلسطين وتلاها دويلات بلاد الشام ثم اليمن فحديثا السودان، واليوم مع طرح فكرة الدول المستقلة لأكراد وسنة وشيعة في العراق. كل هذه السيناريوهات المرعبة باتت أقرب مما توقعنا كثيرا!

يبدو المشهد الشرق أوسطي مرتبكاً تماما: إرهاب وتقسيمات طائفية وتدخلات أجنبية؛ سواء من دول الجوار أو الغرب، والمحزن في كل ذلك هو هذا التداعي لدولة عظيمة مثل العراق بدءاً بوقوعها تحت سطوة ديكتاتورية حكم صدام ثم الاحتلال الأمريكي واليوم تتداعى أجزاء الوطن بفعل الطائفية البغيضة وفساد الحكم الذي يقوده المالكي بطائفيته وفساده.

المشكلة الحقيقية أن قبول الأمر الواقع في دول الجوار باعتماد الإرهاب والطائفية لن يتوقف عند حدود هذه الدولة بل سينتشر ليس فقط في المنطقة بل عبر العالم كله وهو ما أشارت اليه المملكة اليوم في بيانها الذي القاه مندوبها الدائم في الأمم المتحدة باعتبار الإرهاب «من أخطر التحديات للمجتمع الدولي».

وقد أوضح مندوب المملكة في مجال شرحه بأن «التركيز على الحل الأمني لا يحل المشكلة وإنما يدفع بالظاهرة إلى الدخول في فترات تنحسر فيها موجتها لتعود مرة أخرى بشكل أكثر قوة وتأثيرًا، وقال: إن الركيزة الأولى للاستراتيجية الأممية لمكافحة الإرهاب التي تتناول العوامل المؤدية إلى ظهور الإرهاب وانتشاره هي ما يجب التركيز عليه مع العناية بما ورد في تقرير حماية حقوق الإنسان أثناء جهود مكافحة الإرهاب عن أهمية التأكد من أننا لا نصنع إرهابيين أكثر من الذين نقضي عليهم في إطار جهود المكافحة».

وجدد مندوب المملكة التأكيد على أن إرساء العدالة وإزالة الظلم واستتباب سيادة القانون والتنمية والتعليم والحوار والقضاء على الاحتلال هي أقوى الوسائل للقضاء على جذور تلك المشكلة.

راجعت هذا الخطاب، وأنا أشاهد في التلفزيون آلاف العراقيين الشيعة يستجيبون لدعوة مرشدهم بالانخراط في صفوف الجيش لقتال السنة القادمين مما يعني عمليا اشتعال حرب طائفية وأهلية لا يعلم الا الله مداها وكأن هذا العراق المسكين لم يكفه ما مر عليه من مآسي دمرت أبناءه وهجرتهم عبر أصقاع الأرض، وأفقرت وهدمت أغنى بلد عربي بشريا وثقافيا وتاريخيا لتطرحه محطما وممزقا على قارعة التاريخ.

ما الذي يدفع انسانا عاديا للإسراع بحمل السلاح والبدء في التدرب لقتل أخيه الانسان؟ سؤال بسيط يلخص قضية الإرهاب: انه غياب البدائل الصحية والثقافية والفنية والاجتماعية المتاحة له ضمن محيطه المحلي. انظر إلى كل هذه الحكومات الديكتاتورية المتعاقبة وانظر إلى هذه الطرق المهدمة والأحياء الفقيرة وغياب برامج التطوير الإنساني لنعرف أن الله خلق الإنسان للبحث عن هدف ومعنى لحياته، وإذا لم يجده ضمن منظومة مدنية ديمقراطية في عصرنا الحديث لجأ إلى السلاح والإرهاب (كامتداد لسلوك رجل الغابة) للحصول على ما يرغب بالقوة طالما لا تحترم دولة القوانين والأعراف في العصر الحديث حقه في الحياة.

حين تغيب الموسيقى التي تهذب النفس والروح وحين يغيب المسرح الذي يطلق الفرد من خلاله طاقاته وخيالاته ويشتغل بجمالياته وحين يغيب المنطق والفلسفة من حياة الإنسان فلا يرى أبعد من أنفه واحتياجاته المباشرة، ولا يتمكن من فهم الظواهر العامة ضمن نطاقها العام وليس فقط في علاقتها بشخصه، وحين تغيب العدالة في توزيع الثروات وينتشر الفساد وعدم المحاسبة والشفافية تظهر الفوضى ويتم استغلالها من خلال أقطاب محلية وخارجية لتحقيق أهدافهم التاريخية.

الإرهاب، وكما أشارت المملكة (إضافة إلى مئات الدراسات المتخصصة) هو الآن ظاهرة عالمية وأن حلوله الآنية قد تبدو أمنية ولكن حلوله على المدي الطويل تنموية وتشريعية وديمقراطية وثقافية بالدرجة الأولى.

بعض شبابانا في هذا الجزء من العالم وبانتمائه لهذه التنظيمات المتوحشة يوجه صرخة (حادة) ضد الإهمال والفساد وغياب التنمية والديمقراطية ( هل رأيتم فيديو الشباب السعودي الداعشي فرحين بدجاجة وببسي وجدوه في أحد المخازن عندما سيطروا على الموصل!) شباب بسطاء صغار نقصهم التعليم المتنور وبرامج التنمية المجتمعية والشخصية لخلق أهداف إنسانية يدافعون عنها وتحمي كل البشر ووجدوا في داعش (هدفا) اعتقدوا أنه سيحقق الخلاص للأمة الإسلامية طالما استخدم الغطاء الديني الذي هو الأشد تأثيرا في حياة هؤلاء الصغار.

لا مناص لهذه الأمة لتنقية نفسها من مخاطر التقسيم والفوضى الا باستعادة الاحترام لمختلف جوانب الإرث الإنساني في أبعاده الثقافية والتراثية والفنية والتشكيلية والموسيقية والمسرحية وبالتأكيد على تنمية مفاهيم التفكير العلمي الناقد والمتسائل لدى الأجيال الجديدة حتى لا يقعوا ضحايا سهلة بين جماعات المضللين.

علي المدارس والمؤسسات الحكومية والأهلية تبني برامج كبيرة تدعم قدرة الفرد على التحول لإنسان علمي متذوق يرى العالم بمنظور واسع يسمح بالتنوعات والاختلافات، كما تطرحها الآداب والفنون عبر أشكالها الثقافية المختلفة، وذلك عبر استخدام الميزانيات الضخمة التي تم تسخيرها قبلا لتعميم الجهل العلمي ورفض التراث الإنساني بأن تكون أداتنا اليوم لإصلاح الإنسان الذي أوجده الله خيّرا بطبعه وأفسدته مؤسسات التطبيع الاجتماعي عبر ثقافاتها المريضة والضيقة، وحان الوقت الآن أن نقف جميعا في وجه هذا التيار المخيف لنقول له: اترك القيادة واستمتع بالرحلة عبر عالم مليء بالإنتاج العلمي والجمال والسلام.

مقالات أخرى للكاتب