Saturday 28/06/2014 Issue 15248 السبت 30 شعبان 1435 العدد
28-06-2014

الشعر والجامعات.. والموت على قيد الحياة!

في مقالةٍ جعلتُ عنوانها: (التي تمنع دراسة الأحياء)، منشورة هنا، في الجزيرة الثقافية، بتاريخ الثالث من مارس 2011 وكان العنوان مأخوذاً من عبارة في مقالة لأستاذ جامعيّ جاءت في معرض حديثه عن آلية التعاطي الأكاديمي مع الشعر والشعراء فكانت صادمة بالنسبة لي.. فجاء كلامي في مقالتي تلك تعليقاً عليها وجواباً أحسبه وافياً عن السؤال حول مأساة وبؤس معظم الدراسات – أو الرسائل الأكاديمية – الجامعية التي تبحث في الشعر وتدرس نتاجات الشعراء،

طالما أن الغالب على أكثرية تلك البحوث والدراسات لكونها مجرد نقل عن نقل عن منقول، فاعتماد الموضوع أساساً عادة ما يأتي من بعد التأكد والاطمئنان على أن ثمة مراجع ومصادركثيرة سيعتمد عليها الطالب أو الطالبة (نقلاً) حتى يكمل البحث بمقدمة وخاتمة وثبت لتلك المصادر والمراجع التي تكالبت على دراسة منجزات الشاعر (الراحل) والوجه من الوجه أبيض!

لا أريد الآن أن (أنقل) شيئاً من مقالتي المذكورة آنفاً(!) ولكن.. أرجو العودة إليها، لأن كلامي هنا وثيق الاتصال بكلامي هناك، ويعتبر استكمالاً له. فالضعف، إذا كان يكمن في الاستنساخ والنقل عن مصادرمقتولة استنساخاً ونقلاً بين المراجع، فثمة أسباب أخرى اكتشفتها تتوالى منذ مقالتي تلك وحتى الآن، لذا كان لا بد لي من العودة إلى هذا الموضوع، وقد انقلبت الفكرة في رأسي بعدما اكتويتُ بعكسها تماماً.. كيف؟

أثناء بحثي الدوريّ السريع، عبر شبكة الإنترنت، عن متعلقات اسمي، أحالني محرّك البحث الإلكتروني إلى موقع إحدى جامعاتنا لأقرأ عنوان دراسة - أو رسالة - ماجستير اتخذت الصورة في أعمالي الشعرية موضوعاً وحيداً لها. قلتُ ربما هي خطة لم تبدأ بعد، فركّزتُ البحث لأكتشف أنها بالفعل رسالة ماجستير أوشكت على الاكتمال وتحديد موعد المناقشة. ومع سعادتي باختيار أحد أهم الجوانب التي اعتنيتُ بها في تجربتي الشعرية، رحتُ أسألُ نفسي: هل أنا أصبحتُ من الراحلين؛ فمن يدرس شعري – أكاديمياً - غير مطالب بالتواصل معي لأخذ جديدي على أقل تقدير؟ إذا كنتُ لا أزال على قيد الحياة، وكانت هذه الرسالة الجامعية تكسر – كغيرها، وغيرها قليل – قاعدة (منع دراسة الأحياء) فما كنتُ أحسبه إيجابياً هو اكتمال مصادر البحث الذي لا يمكن أن يكتمل إلا بالحصول على مجمل أعمال الشاعر؛ ولأن مجمل أعمال أيّ شاعر معاصر لا يزال حياً منتجاً يستحيل اكتمالها عند أحد سوى الشاعر نفسه – هذا إذا استطاع الشاعر نفسه الاحتفاظ بها مكتملة عنده - لأسباب يعرفها كل من له علاقة بالنشر والتوزيع في واقعنا الراهن؛ كان استغرابي مصحوباً بالفجيعة خوفاً من (تقزيم) منجزي الشعري باقتصار الرسالة الجامعية عنه على شيء قليل منه بوصفه الكل الكامل المكتمل حتى تاريخ مناقشة الرسالة!

أقولُ، ومن دون ذكر أسماء لأن المسألة - أو المشكلة - لا تزال قائمة: تعبتُ وأتعبتُ أصدقائي ممن لهم علاقة بالجامعات حتى وصلتُ إلى ما يشبه الحل مع الجامعة والكلية والقسم والمشرف على الرسالة، وأنا لم أكن أعرف أحداً في تلك الجامعة على الإطلاق، ولكن الدكاترة كانوا في غاية الرقيّ فبادروا بالاتصال بي مشكورين بعد توجيه خطابي لمعالي مدير الجامعة طارحاً الحل الذي قد يكون مجدياً لما أراه مشكلة؛ وهو أن يسألوا (الطالبة) التي تشتغل على الرسالة - فأنا لم يسبق لي أن قرأت اسمها من قبل - عن عناوين دواويني التي اعتمدت عليها في دراستها ومن ثم أكمل أنا لها - عبر البريد - ما ينقصها من دواوين لم تعثر عليها في المكتبات، إمّا لنفادها أو لسوء التوزيع المعتاد.. وحتى وقت كتابة هذه المقالة لم يصلني جواب الطالبة من أساتذتها الذين أصبحوا وسطاء بيني وبينها (!) ولكن ما جدوى ذلك والطالبة قد انتهت بالفعل من دراستها ولم يبق غير تحديد موعد المناقشة ومن ثم التخرّج بتوفيق من الله..؟ أنا متفائل بالخير، لأن النوايا سليمة بل وسامية لكونها تنأى كل النأي عن أيّ مصالح غير الذائقة في الاختيار. ولكن.. يا إلهي.. هل هذا ما كنا نطالب به- في مقالات ربما أكثرها وضوحاً في هذا الشأن: (التي تمنع دراسة الأحياء)..؟!

أين ما قلنا من أن الوقت قد حان لنرى تجليات متقدمة في الدراسات الأكاديمية، لن تكون كما ينبغي لها أن تكون إلا بالخوض في التجربة المعاصرة وسبر أغوارها عن قرب واكتمال للخروج بالمقاربات إلى محصلات متطوّرة..؟!

تبدو لي المشكلة هنا تتعلق بالفصل المجتمعيّ بين الرجال والنساء، وذلك ما لا يمكن لي أن أناقشه أبداً، لأنني غير معني به، ولكن.. سأطرح اقتراحاً فيه من الرجعية والتخلّف ما يفوق كل أشكال التزمُّت الذي اعتدنا عليه، غير أنه – كما أرى - هو (الشرُّ الذي لا بدّ منه) من أجل حماية منجزات الشعراء والشاعرات على حد سواء من كل نواقص لن تجد عذراً يملأ فراغاتها بين الدارس والشاعر وهما على محطة واحدة من الزمان والمكان. قلتُ (الدارس والشاعر) وسأقول (الدارسة والشاعرة) لأن اقتراحي هو: أن تلزم الجامعاتُ طلابها وطالباتها – في الكليات والأقسام المتعلقة بدراسات الشعر – باقتصار دراسة الشعراء الأحياء على الدارسين من الطلاب، واقتصار دراسة الشاعرات – أو الشواعر – الأحياء أيضاً (كي لا أقول الحيّات!) على الدارسات من الطالبات؛ وما ذلك إلا التخلّف بامتياز واختلاق حواجز فوق الحواجز المتراكمة، ولكنني أراه أقلّ ضرراً مما تسببه إحراجاتُ العادات الاجتماعية والقيود الطبيعية لدينا - لدينا فقط - من ناحية التواصل أو الأخذ والرد أو أي اتصال من أي نوع بين الدارسة والمدروس وكذلك حتماً بين الدارس والمدروسة!

هذا كل شيء أستطيع قوله الآن، غيرة على الشعر وحرصاً عليه، لأنه الباقي وكل ما يجري حوله من دراسات وبحوث ورسائل لن تضيف له شيئاً ولكنها قد تضرّ به أشدَّ الضرر.. وهو الضرر النفسيّ على الشاعر الحيّ المنتج، فلربما يقتل نفسه كشاعر عندما يرى أعلى المؤسسات التعليمية في بلاده تقدمه ناقصاً وهي تشير إليه: هو ذا شاعرنا كاملاً.

وأختم بخاتمة (قصيدة الأفراد):

لا تسألوا أعداءكم

قولوا: لأنّ المجدَ في الياقوتْ

متنا جميعاً، إنما..

خرجتْ أصابعُنا من التابوتْ.!

ffnff69@hotmail.com

الرياض

مقالات أخرى للكاتب