Saturday 19/07/2014 Issue 15269 السبت 21 رمضان 1435 العدد
19-07-2014

آفاق العزلة السياسية والجيوسياسية الروسية

تتزايد المؤشرات على تقهقر القيصر الروسي في المواجهة التي أشعلها مع الغرب في الأزمة الأوكرانية بسبب التداعيات الكبيرة للعقوبات الضئيلة التي فرضها الغرب على روسيا وتماسك الموقف الغربي في دعم الرئيس الأوكراني الجديد بيوتر بوروشينكو.

وكان ذلك قد أجبر بوتين الجريح على مصافحة بوروشينكو في ذكرى إنزال النورماندي وهي لحظة فاصلة أكدت اعترافه بشرعية انتخابه.

فشل بوتين في الالتفاف على المتغيرات الدولية وانتهت طموحاته بخروج أوكرانيا من خارطة طموحاته الأوروآسيوية، وأصبحت الحدود الأوكرانية مواقع افتراضية للناتو، مما أصبح يُشكّل تهديداً جديداً للأمن الروسي.

حتى العقد العملاق الذي أبرمته موسكو مع الصين لتزويدها بالغاز، والذي تصل قيمته إلى 400 مليار دولار على مدى 30 عاماً، وعقد مماثل مع الهند لم تتضح معالمه بعد، لن يعوضا خسائر بوتين الاقتصادية والجيوسياسية.

توتر علاقات روسيا بالدول الغربية لا يزال ينذر بتداعيات أوسع، رغم استمرار إمدادات الغاز لأوروبا عبر أوكرانيا البالغة 185 مليون متر مكعب يوميا.

خسائر النفوذ الروسي دفعت بوتين الجريح لإعلان حوض بحر قزوين كمنطقة نفوذ جديدة لروسيا حيث اجتمع بوزراء خارجية الدول المطلة عليه وهي أذربيجان وروسيا وكازاخستان وتركمانستان وإيران، وهو يخطط لعقد قمة لهم في موسكو في سبتمبر المقبل.

يعتبر حوض بحر قزوين ثاني أكبر حقل نفط في العالم بعد منطقة الخليج يحتوي على احتياطيات تقدر بنحو 28 مليار برميل.

وتهيمن روسيا على بحر قزوين منذ إغراق روسيا للأسطول الإيراني عام 1856، رغم محاولات إيران منذ عام 1991 للتوصل لاتفاقية لتقاسم الدول الخمس المطلة عليه ليكون نصيب كل دولة 20 بالمئة من احتياطيات النفط والغاز.

لا بد أن نذكر هنا معارضة أذربيجان المدعومة من الولايات المتحدة، والتي تطالب بأن يتم التوزيع وفقاً لطول سواحل كل دولة، ما يعني حصول إيران على 11 بالمئة وهو ما يصب في مصلحة كازاخستان أيضاً.

وتتعثر جهود روسيا لتأسيس أكبر تحالف اقتصادي لمواجهة الأميركيين والأوروبيين، ولم تحقق سوى مكاسب معنوية بضم أرمينيا إلى الاتحاد الجديد، وإعلان قرغيزستان الصغيرة رغبتها في الانضمام.

ويرى إلكسي مكاركين من مركز التكنولوجيات السياسية في موسكو أن هذا الاتحاد لن يكتمل في ظل غياب أوكرانيا، وتحفظ كازاخستان وبيلاروسيا على الاندماج السياسي، رغم إغراءات الوصول للسوق الروسي.

وتتعاظم تكلفة ضغوط الدول الصناعية الكبرى على روسيا، حيث ترفض محاولات موسكو استخدام الغاز كورقة ضغط، وهي تتحدث بصوت واحد يرفض الابتزاز، وقد تمخض تجميد مد أنبوب غاز ساوث ستريم.

ويهدف الأنبوب لربط روسيا ببلغاريا عبر البحر الأسود للالتفاف على أوكرانيا قبل أن يواصل مساره إلى اليونان وإيطاليا وصربيا والمجر وسلوفينيا والنمسا.

عزلة روسيا وخسائرها من الأزمة الأوكرانية تتزايد، خصوصاً مع تزايد جهود الأوروبيين لتقليل اعتمادهم على الغاز الروسي، مما يزيد احتمالات تقهقر روسيا أمام هذا الموقف المتماسك.

وسوف تتزايد العزلة الروسية إذا ما تقدمت محادثات الشراكة عبر المحيط الهادي والتي يمكن أن تمثّل ما يصل إلى 40 بالمئة من حجم التجارة العالمية ونصف الناتج الإجمالي في العالم.

بينما يحاول بوتين الخروج من عزلته والبحث عن بدائل، من المؤكد أنها لن تكون كافية لمواجهة الولايات المتحدة والأوروبيين.. وهو يحاول تعميق جراح روسيا من خلال محاولة احتواء الصين وإبعادها عن موسكو.. وقد بدا ذلك واضحاً في الاتفاقات التي أبرمتها بريتش بتروليم لتزويد الصين بالغاز، في محاولة لتقليل حجم الملاذ الذي ستجده موسكو في الصين لتعويض خسائر مغامرتها في أوكرانيا.

Dr_mahboob1@hotmail.com

أستاذ بجامعة أم القرى بمكة

مقالات أخرى للكاتب