Saturday 26/07/2014 Issue 15276 السبت 28 رمضان 1435 العدد
26-07-2014

صلاة الجمعة في بلاد الغرب

من تتبع ما نُقل إلينا من بعد القرن الأول من كتب الأصوليين والفقهاء وجد غالبها نزاعات وخلافات وتناقضات بلا خطام ولا عقال، هدفها الانتصار للمذهب أو لرأي مجرد عن قاعدة منطقية منضبطة. فما ينكر هذا على المخالف من طريقة استدلال لحكم فقهي، ويشنع عليه فيها، تراه وقد أخذ بها في مسألة أخرى لأنها وافقت رأيه في حكم مسألة أخرى. فالثابت من الوحي يُؤول. وما لا يُتأول يُشكك في ثبوته. وما ثبت شرعا ومنطقا وعقلا من قاعدة أصولية يُسفسط فيها فتُقلب رأسا على عقب. وأبسط المنطق يُجحد، هكذا فمن المُحاسب ومن المُراجع وقد تخدر الناس بوهم قدسية الفقيه.

وغالبا ما تجد في كل مذهب فقهي، أقوالا ثلاثة لكل مسألة، التحريم المطلق والكراهة والجواز، وأقربها مثالا، المغني موسوعة الحنابلة. وفي رسالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- لقاضي الأحساء «وأكثر الإقناع، والمنتهى، مخالف لمذهب أحمد ونصه؛ يعرف ذلك من عرفه». وهذا يدل على تحريف الاتباع لكتب أئمة المذاهب، ليسهل على اتباع المذهب اتباع قاعدة «للعلماء فيها قولان». فتجد للإمام مالك أقوالا متناقضة في مسألة واحدة جميعها مدون في المدونة مثلا. وعند الأحناف يتسع المجال للتخير والتنطع بين قول أبي حنيفة وقولي تلميذيه. وأما الشافعي فله فقه في العراق وفقه في مصر وفقه قديم وفقه جديد.

والعجيب أن الناس يتقبلون هذا، فأخبرني بالله عليك، ما هو الفرق بين مصر والعراق في زمن واحد من القرون الأولى الحديثة بعهد النبوة. وبالله عليك إن كان الدين يختلف من بلد لبلد مجاور له في زمن واحد قريب عهد بالنبوة، فما بقي إذا اليوم لنا دين يصح الاقتداء به، وقد اختلفت البلاد والأزمان والأحوال والحياة جملة وتفصيلا. بل الصحيح أن الدين واحد لا يختلف باختلاف المكان ولا يبلى ببلاء الزمان، وإعجاز تشريعه في صياغة نصوصه، لا في أهواء مُدعي الفقه والعقلانية الذين هم أبعد الناس عن الفقه وأسفطهم نقاشا ومناظرة وعقلا. فالسنة مُعجزة كإعجاز القرآن في عمق معانيها وإحاطتها بكل ما يمكن أن يحدث من متغيرات ومستحدثات، ولكن هي الأهواء والانتصارللنفس والشيخ والمذهب.

قد أكمل الله الدين في اليوم الأكبر لحج رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) وفي الآية تأصيل قاعدة عظيمة من قواعد الدين، هي قوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ). فالعبادات قد ثبتت بما حفظه الله من كتابه وسنة نبيه، فهي بين صلوا كما رأيتموني أصلي وبين فاتقوا الله ما استطعتم. فزكاة الفطر عبادة تتمة لركن، فليس فيها باب معاملة، فالنص على إخراج طعام فلا يُخرج إلا طعام لصدقة الفطر، إلا أن لا يُستطاع إلى ذلك أو يُشق. فتعبُد الله بما هو مستطاع عليه من اتباع أوامر الله. أما التعبد بقول فقيه رأى أن النقود أنسب، فهذا من التألي على الله. وإلا فلا غرابة من جهل البعض من المسلمين بدعوتهم بنقل صلاة الجمعة إلى يوم الأحد في البلاد غير الإسلامية. فهؤلاء لم ينشؤوا في بلاد إسلامية. وهؤلاء قد نظروا في تناقضات الفقهاء وعجائبهم عبر القرون، وتخيرهم بين الأدلة، والتحليل مقابل النص بدعوى المصالح المرسلة والتحريم بدعوى المصالح المرسلة. فوجدوا أن الذريعة والمصلحة المرسلة تختلف عند الفقيه في زمن واحد وفى مكان واحد، فمرة يزعم هذه ومرة يزعم تلك، من دون قاعدة منضبطة له. فقالوا نحن أولى بفهمنا لحالنا. ولا غرابة كذلك في تغيير شهر رمضان في البلاد التي يمتد صيامها لعشرين ساعة في الصيف، فهذا نسميه من فقه الأقليات كما سمى غيرنا رأيه وهواه بفقه المقاصد والمصالح المرسلة.

فليتق الله من يقول برأيه في العبادات، فهي غيب مُطلق، والتأول في نصوصها هو دعوى علم الغيب. وليتق الله من يحرم على عباده ما لم يحرمه الله وكل تأول تحريم تأوله صالح أو طالح فهو من تزيين الشيطان له. ولا يأمن أن يكون ممن يدخل في قوله تعالى (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا).

ومن فتنة ميراث ما ورثناه من فقه القرون الوسطى أنك ترى الزاهد العابد المُخلص المحسوب على العلماء يعلم الحق فيخفيه بحجة أن شيخنا الشيخ فلان -رحمه الله-، قد قال بخلافه، ولا يليق بنا مخالفة قوله علانية. فنعوذ بالله من الحور بعد الكور.

قال عليه الصلاة والسلام «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» فالإسلام بين وواضح ومن أنكر هذا فقد كذب بالوحي. وإنما يصعب الفهم لعدم الحيادية في التفكير عند التلقي والتأمل.

hamzaalsalem@gmail.com

تويتر@hamzaalsalem

مقالات أخرى للكاتب