10-08-2014

الغرب و(داعش) .. الصمت المريب!

يغلب على سياسة الحكومات الغربية النزعة الميكافيلية (الغاية تبرر الوسيلة) في تعاطيها مع القضايا العالمية التي تمس مصالحها القومية العليا، كما تحاول - في الوقت ذاته - أن تبدو برداء الحياد بالنسبة للقضايا الإقليمية البعيدة عن حدودها، أو التي لا تشكل تهديداً لأمنها القومي. غير أن هذه

السياسة تكشف عن حقيقتها بشكل سافر عندما تتم المقارنة الواقعية بين مواقف الحكومات الغربية، التي تتخذ فيها جانب الحياد أو تلزم الصمت لقضايا دولية ساخنة - كما يحدث الآن في المنطقة العربية - في مقابل مواقف سابقة مختلفة كانت فيها تمارس أعمالاً وتطلق تصريحات لقضايا مشابهة في المنطقة ذاتها، وكأنها محور الأحداث والمتحكم الرئيس في تلك القضايا.

وللتوضيح قارن بين الموقف الغربي بشقيه (الأميركي والأوروبي) من تنظيم (القاعدة) عقب أحداث سبتمبر 2001م، وإلى اليوم، في مقابل موقفه السلبي الآن مما يقوم به تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، رغم أن الأعمال الإرهابية التي يقوم بها هذا التنظيم الدموي لا تختلف في منهجها وطريقتها ومشاهدها وتداعياتها عن أعمال تنظيم (القاعدة)، وأن الفارق بين التنظيمين هو في طبيعة كل تنظيم، فـ(القاعدة) أقرب إلى تشكيل المنظمة، التي لا تستند إلى رقعة جغرافية محددة، و(داعش) أقرب إلى كيان الدولة، التي لها جيش وموارد مالية وإعلام.

فلماذا يسكت الغرب بحكوماته ودوائره السياسية عن تنظيم (داعش)؟، منذ دخوله على خط الثورة السورية العام 2012م، وحتى تضخم اليوم وصار يسيطر على أراضي سورية وعراقية بكل مقوماتها الاقتصادية وتنوعات سكانها واختلاف مناطقها. لماذا هذا الصمت الغربي المريب على ما يرتكبه هذا التنظيم من أعمال إرهابية؟ وكأنه يريده أن يواصل في مهمة تمزيق الوطن العربي، وتشويه الإسلام بتلك الفظائع التي يرتكبها ويبثها للعالم مدعياً كذباً وزوراً أنها أحكام إسلامية. لماذا الغرب الذي تواطأ على إسقاط الخلافة نجده اليوم يتفرج على تنظيم إرهابي يزعم أنه يريد إقامتها وفرض الشريعة فيها؟ لماذا سكت الغرب عن تهجير مسيحيي الموصل بتلك الطريقة الهمجية، التي لا يرضاها دين ولا يقبلها عرف، وتتعارض مع أبسط حقوق الإنسان وفق مواثيق الأمم المتحدة، التي يزعم الغرب أنه حاميها على مستوى العالم؟ أضف إلى ذلك سكوت الغرب إزاء قيام هذا التنظيم الهمجي بتدمير الآثار العراقية، التي تعكس تنوع الثقافات والحضارات التي قامت في بلاد الرافدين، وتعد تراثاً إنسانياً فريداً، بينما كان هذا الغرب صوته عالياً في تأليب الرأي العام العالمي ضد حركة (طالبان) عندما أقدمت على تدمير تماثيل بوذا خلال شهر فبراير العام 2001م.

إن الغرب وتحديداً الولايات المتحدة الأميركية ترسل طائرتها بدون الطيار فتقصف قرى أفغانية أو مناطق يمنية بحجة ملاحقة (القاعدة) حتى لو سحقت في أتون نيرانها الأبرياء في الأعراس الأفغانية أو البيوت اليمنية، بينما تتفرج على تحركات قوات تنظيم (داعش) المكشوفة في وضح النهار، وهي تتجول هنا وتلتف هناك على خصومها بكل حرية وسهولة. ألا يعني هذا أن الحرب المزعومة على الإرهاب التي قادتها الولايات المتحدة ضد تنظيم (القاعدة) كانت خديعة كبرى لتبرير اجتياح العالم الإسلامي؟

في المقابل، نجد الصمت من قبل تنظيم (داعش) تجاه الحكومات الغربية أو السياسة الغربية عموماً، وكأنه صمت مقابل صمت، وغزل يقابل غزلاً، فبينما كان تنظيم (القاعدة) يطلق شعاراته الكاذبة ضد الصليبيين والغرب عموماً ووجوب إخراجه من أرض محمد (صلى الله عليه وسلم)؛ كي يبرر لنفسه زعزعة الأمن واستباحة الدماء في الدول العربية وعلى رأسها المملكة، نجد أن (داعش) لم يعد يُطلق مثل تلك الشعارات الخداعة، بل استبعد الغرب وربيبتها إسرائيل من هجومه الإعلامي وتهديداته الدموية، وحدد أهدافه في البلدان العربية وإسقاط أنظمتها بحجة الخلافة المزعومة.

لذلك، فإذا كان صمت الغرب يأتي في سياق مشروع (سايكس بيكو) جديد في المنطقة العربية، حيث وجد في هذا التنظيم الإرهابي الأداة الأفضل لتنفيذ هذا المشروع الخطير، الذي يُقَسِّم الدول العربية لأكثر من خمسين دولة هشة وضعيفة في مقابل دولة إسرائيل المتفوقة بالتقنية والصناعة والسلاح. فإن البحث في أصول تنظيم (داعش) ودراسة أعماله وكشف حقائق قادته ومصادر تمويله، يجعلنا نتأكد تماماً أننا على أعتاب مرحلة تاريخية حرجة تمر بها الأمة، وأن ما يجري هو مجرد مقدمات لأهوال وكوارث تحيط بالمنطقة العربية - لا قدر الله. فيكفي أن تفرد خريطة هذه المنطقة فتجد بعض بلدانه في أزمات داخلية، حبرها الدم وعنوانها الفوضى وحاكمها السلاح. كالعراق، وسوريا، واليمن، وليبيا، ولبنان، وفلسطين المحتلة وغيرها.

ما يعني أن كلمة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز -حفظه الله-، التي وجهها للأمتين العربية والإسلامية والمجتمع الدولي خلال عيد الفطر المبارك، وركز فيها بشكل محدد على الإرهاب الذي تقوم به تنظيمات وجماعات ودول، هي نذير قوم وتحذير أمة مما يراد لها، ولهذا دعا كل علماء وقادة الأمة إلى العمل لوأد فتنة الإرهاب، وحماية الإسلام ممن يهدفون إلى اختطافه وتقديمه للعالم كدين للتطرف والإرهاب، فالمسألة ليست مجرد تفجير هنا أو قتل هناك، إنما دفع كل الأمة بشعوبها إلى مهلكة لا تبقي ولا تذر. ولعل المتمعن في الكلمة الضافية لخادم الحرمين الشريفين يلحظ كل تلك المعاني التي أشرت إليها، وبالذات في قوله: «هذه الفتنة التي وجدت لها أرضاً خصبة في عالمينا العربي والإسلامي. وسهل لها المغرضون الحاقدون على أمتنا كل أمر، حتى توهمت بأنه اشتد عودها، وقويت شوكتها، فأخذت تعيث في الأرض إرهاباً وفساداً، وأوغلت في الباطل كاتمة ومتجاهلة لقول المقتدر الجبار: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ}، إن من المعيب والعار أن هؤلاء الإرهابيين يفعلون ذلك باسم الدين فيقتلون النفس التي حرم الله قلتها، ويمثلون بها، ويتباهون بنشرها، كل ذلك باسم الدين، والدين منهم براء، فشوهوا صورة الإسلام بنقائه وصفائه وإنسانيته، وألصقوا به كل أنواع الصفات السيئة بأفعالهم، وطغيانهم، وإجرامهم، فأصبح كل من لا يعرف الإسلام على حقيقته يظن أن ما يصدر من هؤلاء الخونة يعبر عن رسالة نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم). كما خاطب -حفظه الله- علماء الأمة وقادتها بشكل خاص بقوله: «أن يقولوا كلمة الحق، وأن لا يخشوا في الحق لومة لائم، فأمتنا تمر اليوم بمرحلة تاريخية حرجة، وسيكون التاريخ شاهداً على من كانوا الأداة التي استغلها الأعداء لتفريق وتمزيق الأمة، وتشويه صورة الإسلام النقية». فهل نعني ما يجري حاضراً قبل أن يكون المستقبل كارثياً -لا قدر الله؟.

moh.alkanaan555@gmail.com

تويتر @moh_alkanaan

مقالات أخرى للكاتب