12-09-2014

الصحافة والتخصصات الأكاديمية

عندما نتعمّق في تاريخ الصحافة السعودية خلال الخمسين السنة الماضية نجد الكوادر التي أسهمت في بنائها هم ليسوا من المتخصصين الأكاديميين في مجال الإعلام، إنما هم يملكون الموهبة الصحفية وتخصصات إنسانية في مجالات اللغة العربية والدراسات الإسلامية، والبعض منهم مؤهلاته لا تتجاوز المرحلة الثانوية ولكنهم أسسوا مرتكزات العمل الصحفي المهني، لأنهم أثروا هذه المهنة بالقراءة والاطلاع على مختلف الثقافات، ولم يغب عن بالهم أن يغوصوا في المعطيات الأخرى التي تخدم الإعلام، من خلال الالتحاق بالدورات التي تدور حول تطوير العمل الصحفي، كذلك جعلوا بيئة العمل الصحفي تحمل خصوصية تلتزم بالتأصيل وقيم الأمة والتفاعل مع الوطنية في أعلى درجاتها، ونستطيع أن نقول إنّ هذه البيئة هي التي أسست للارتقاء بالعمل الصحفي في الجانب الأكاديمي ولاسيما في ولادة التخصصات الإعلامية في الجامعات السعودية من خلال أقسام الإعلام التي تدرس الإعلام، وتعد الكوادر المتخصصة فيه بجميع فنونه، سواء كانت صحافة أو إذاعة أو تلفزيون أو علاقات عامة، ولكن للأسف هذه الأقسام لم تكن تحمل الموهبة عند البعض من هؤلاء المتخصصين، فقط تجدهم يغلب عليهم التخصص أكثر ويفترض أن تكون الموهبة حاضرة ومن معايير القبول في هذه الأقسام، لأنّ الموهبة هي التي تفعل التخصص في أعلى درجاته، ومخرجات بعض هذه الأقسام نجد الفرق بينها وبين جيل الإعلاميين السابقين شاسعاً، لأنّ هناك فرقاً بين المبادرة وبين التخصص، فالمبادرة أحياناً تعمل المستحيل أما التخصص الأكاديمي تحكمه ظروف كثيرة، فأحياناً يتم توجيه الطالب دون رغبة منه ويتقبّل ذلك لأنّ هذا ليس خياره، وعند تخرجه يكون غير متفاعل مع هذا التخصص بالشكل المطلوب، وأحياناً يكون نتيجة لرغبته في هذا التخصص من قبل الطالب، ولكنه فاقد لبعض مقومات العمل الصحفي والتي عادة تستلهم من الميدان، فالتجارب التي تمّت وتتم فيه، يفترض أن يأخذ بها المتخصص الإعلامي ويعتبرها رافداً أساسياً لتخصصه، فالإعلام بجميع مكوّناته هو تجارب وتفاعل مع الأحداث في جميع منظومة الحياة، فكم من إعلامي غير متخصص شد الكثير من المتخصصين بنهجه وتجاربه الإعلامية وطريقة تعامله مع الأحداث، سواء كان رئيساً للتحرير أو مشرفاً على إحدى الصفحات في الجريدة، أو كاتباً في زاوية من زواياها، وإعلامنا اليوم في حاجه إلى التخصصات الأكاديمية المتزنة التي تقتدي برموز الصحافة السعدية المخضرمين منهم أيضاً أقسام الإعلام في الجامعات السعودية لها دور مهم في توجيه طلابها، إلى الاستفادة من التجارب السابقة التي مر بها الإعلام السعودي، وعلى وجه التحديد في الصحافة الورقية، وأن يرسخوا عندهم أنّ معظم تجارب هذا الإعلام ليست بعيدة عن التخصص الأكاديمي وربما تجاوزته، باعتبارهم يملكون الموهبة، وأن يكون هذا التوجيه بتكليف الطلاب ببحوث تتقصى مسيرة العمل الصحفي ورموزه، وتتصف بالجوانب النقدية والموضوعية والتي عادة هي من مقوّمات التخصص الإعلامي الأكاديمي، كذلك أيضاً توجيه الطلاب ولاسيما أصحاب الدراسات العليا، في إعداد بعض الرسائل العلمية التي تبرز بعض ملامح الإعلام الصحفي التي مر بها خلال العقود الماضية.

- أمين مكتبة مكتب التربية العربي لدول الخليج سابقاً

مقالات أخرى للكاتب