21-10-2014

مدينة الملك عبدالله بن عبدالعزيز للعلوم والدراسات الإنسانية

الحيادية، والموضوعية، والأمانة العلمية، وعدم التوظيف السياسي أو العسكري أو الاقتصادي أو حتى الاجتماعي والثقافي للبحث العلمي، تحديات حقيقية تواجه الباحثين الأفراد والمراكز المعنية بالدراسات والاستطلاعات وقياس الرأي. ومع أن الانطباع العام لدى غالبية النخب الأكاديمية والثقافية في المملكة العربية السعودية أن الأبحاث المتخصصة، خاصة الغربية منها، تتمتع بكل ما سبق أعلاه، فإن النتائج التي تم إعلانها وتناقلتها وسائل الإعلام في الآونة الأخيرة بدأت تثير الشك في نزاهة الفرق البحثية، وتشير بأصابع الاتهام للمراكز بل حتى بعض الجامعات التي فقدت شيئاً من مصداقيتها، وتنازلت طواعية عن قمة نزاهتها العلمية بعد أن تم اختراقها بصورة أو بأخرى من قِبل أصحاب النفوذ والسيادة، وربما رضخت مرغمة تحت نير الحاجة المادية. وقد يكون لأجندة السياسة الدولية أثر قوي وفعّال على هذا التحوُّل الخطير..

لقد نشرت «الحياة» في صفحتها الأولى الخميس الماضي أن دراسة أمريكية توصلت إلى أن 5 % من السعوديين متعاطفون مع داعش!!؟ وقد أثار هذا الخبر المفاجئ حفيظة كثير من الأكاديميين والمتخصصين في العلوم الإنسانية في جامعاتنا السعودية، فضلاً عن غيرهم من المواطنين الحريصين على ضمان استمرار أمن بلادهم واستقراره وتحقق سلامة أنفسهم وطمأنينتهم وأهليهم والقاطنين معهم في هذا الوطن المعطاء (المملكة العربية السعودية).

وقبل أن أصدق الخبر أو أكذبه علمياً أشير إلى أمور مهمة في هذا الباب، ألا وهي:

* أهمية التوجُّه الفعلي وليس الشكلي لبحث قضايانا المفصلية الواقعية، خاصة السياسية منها والفكرية، ومنح الباحثين لهذه الإشكاليات المجتمعية المعقدة والشائكة الدعم المادي والمعنوي، وتشجيعهم وإعطائهم مساحة من الحرية الأكاديمية التي تصب في النهاية في المصلحة الحقيقية التي ينشدها الباحث، ويتطلع لها متخذ القرار وصانعه.

* تأسيس مدينة الملك عبد الله بن عبد العزيز للعلوم والدراسات الإنسانية على غرار مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، وتفريغ باحثين في الاجتماع والاقتصاد والثقافة والفكر وخبراء في التربية والنفس للعمل تحت قبة هذا الصرح البحثي المهم، وإيجاد طرفيات له في جميع مناطق المملكة.. إذ إن إنسان الوطن أياً كان ولأي شريحة ينتمي تتجاذبه اليوم رياح عدة. ومن الأهمية بمكان رصد ذلك كله وقراءته قراءة علمية، ومن ثم اتخاذ القرار السيادي المناسب للمرحلة والظرف.

* الجامعات السعودية، وبسبب المنافسة في سلم العالمية، اتجهت بكل قواها البحثية ومواردها المالية للبحث العلمي الطبي والهندسي والتقني والطبيعي غاضة الطرف، أو على الأقل مقللة من شأن البحوث الإنسانية، وهي مدعوة وبقوة للعودة الجادة نحو الاهتمام بالبحث في كل ما من شأنه توجيه التغيير نحو ما فيه خير الوطن وسلامة المواطن وأمنه واستقراره.

* إصدار مجلات علمية عالمية محكمة، وبمعايير عالية في الجودة، واستقطاب الأبحاث ذات الصبغة الإنسانية، سواء أكانت مكتوبة بالعربية أو اللغة الإنجليزية، داخلية كانت أو خارجية.

* السعي الجاد لإدخال الأبحاث الإنسانية المنشورة باللغة العربية في التصنيف الأكاديمي لجامعات العالم بعد أن يتم صدور هذه المجلات المماثلة لما هو في مجال العلوم والطبيعة عالمياً.

قد يظن البعض أن في هذا الطرح مبالغة في التمني، ومحاولة من الكاتب للفت الانتباه إلى أهمية البحث في مجال العلوم الإنسانية. وغاب عن بال هؤلاء البعض هذه اللحظة كم هو مهم في اتخاذ القرار أياً كان وجود رقم صحيح ودقيق عن أي ظاهرة إنسانية في المجتمع، ولن يتحقق ذلك أو شيء منه في وقتنا المعاصر إلا عن طريق إجراء الدراسات العلمية المعمقة، فزمن التقارير الفردية والانطباعات الشخصية - مع احترامي الشديد - ليس له مكان في عالم لا يعترف إلا بالقوة في كل شيء، والأساس لهذا المطلب العزيز البحث العلمي الرصين.

إنني عندما أقرأ أو أسمع أو أبحث عن رقم ما له علاقة بمساراتنا التنموية في المستندات والتصريحات الرسمية أجد العجب!!!؟

لقد صارت القنوات الإعلامية والصحف المحلية منها والعالمية هي من يقوم باستطلاعات الرأي والتصويت على قضايانا المفصلية من جراء غياب المراكز العلمية المتخصصة في هذا الأمر!!!؟؟

وفي الوقت ذاته صرنا نسمع عن تجاذبات وتقاطعات وتراجعات و... وصلت إلى الفتاوى الشرعية ذات المساس بحياة المواطن اليومية وتعاملاته المالية نتيجة غياب المعلومة الدقيقة التي يتم التوصل لها بعد بحث ودراسة علمية جادة!!!؟؟

أما عن تصديق نتائج الدراسة الأمريكية أو تكذيبها فلا يمكن لأي منا أن يكون منه ذلك إلا بعد الاطلاع على الدراسة كاملة، كما أنه من الضروري - في نظري - إجراء دراسة ميدانية متخصصة، تكشف عن الكم والكيف في جميع المناطق ومن الشرائح كافة، خاصة الشباب والنشء، وعلى ضوء ما يتوصل له يكون القرار الصحيح في آلية المواجهة الناجزة والمفيدة؛ إذ من الأهمية بمكان عدم المبالغة في قوة العدو وكثرته، أو حتى العكس (التقليل من قوته وكثرته)، فلا هذا ولا ذاك أمر مقبول، بل الواجب التوصل إلى الرقم الدقيق، ومن ثم الاستعداد على حسب ما انتهت إليه الدراسات الاستطلاعية من أرقام.

نعم.. نحن أحق منهم بدراسة مجتمعنا.. فهل سيكون الجواب ما نراه ونسمعه عن ميلاد هذه المدينة البحثية الواعدة التي تشرف بحمل اسم خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز؟.. أتمنى وأتطلع مثل كثير من الأكاديميين والكتّاب المثقفين إلى ذلك، وليس ذلك بعزيز. دمتم بخير، وتقبلوا صادق الود والسلام.

مقالات أخرى للكاتب