23-10-2014

على هامش اكتتاب الأهلي

كنت قد اعتزلت الحديث عن أحكام الربا والبيوع وممارسات الصيرفة المدعية للأسلمة ولكن اكتتاب الأهلي جاء باشتداد حملة العاملين في هذه الصيرفة المتأسلمة لمنعهم عن الاكتتاب باستخدام طريقة قذف المجتمع عموما بفاحشة الربا والفرد المُكتتب خصوصا، ما لم تحصل المؤسسة أو البنك أو الجهاز الحكومي على صك النقاء من مكتب مختص شرعي بنكي. ولتأكيد بث الخوف والورع في نفوس الناس فهم غالبا ما يلحقون قذف الجهة، الغير مزكاة بالنقاء، بسرد أحاديث تساوي عملهم -المحكوم عليه بالربا عندهم- بأقبح الفواحش الإنسانية وأدناها مروءة. فلا يخلو حديثهم من الحكم على من يؤجر بنكا أو مؤسسة غير حاصلة على صك النقاء بأنه حرام كحرمة من يؤجر داره لدار بغاء. ولا يخلو حديثهم من الاستشهاد بحديث «أدنى الربا أن يأتي الرجل أمه تحت أستار الكعبة» وحديث «درهم ربا أشد من ست وثلاثين زنية». ثم ويا للعجب تراهم ينسون دلالة الحديثين على منع أقل الربا ولو بدرهم، فيقولون يجوز الربا بثلث المال تملكا وتعاملا. إلا أنهم -وللحق والعدالة- يشرطونه بشرط أن يتأكد مختص شرعي بنكي بذلك ويصد صك التزكية بالنقاء. فلا تطمئن النفس المؤمنة إلا بعد الحصول على صك النقاوة المختوم بمهر الأسلمة. وهذا الصك سيجلب البركة والربح. وهذا ليس تنظيرا وموعظة بل حقيقة واقعية، بشهادة أن البنوك بعد أسلمتها قد تضاعفت أرباحها أضعافا مضاعفة عديدة. وليحتسب المُنقى ماله من الربا خسارة الأجور التي سيدفعها للعاملين في الصيرفة وليرضى بها نفسا، فهذه الأجور هي أحق مالا يُكتسب في الإسلام بدليل حديث «أن أحق ما اتخذتم عليه أجرا هو كتاب الله». وبما أن هذه الأجور التي يكتسبها المختص الشرعي البنكي هي أجور يتضاعف الأجر بها عند الله في حال إخفائها، وذلك قياسا على إخفاء الصدقة، فلهذا فهي الأجور الوحيدة التي لا تعلن عنها الشركات والبنوك ضمن كلفتها ولا تطالبهم بها هيئة السوق المالية. فموافقة سوق المال على ذلك دليل على خطأ من يشكك في صيرفة الأسلمة. فهم لا يقولون شيئا أبدا بأهوائهم والعياذ بالله، إنما هو النص الشرعي والقياس الصحيح عليه. ويكفي شاهدا على صحة الفقه وشرعية القياس، اتفاق المختصين الشرعيين البنكيين على مقدار جواز الربا في ثلث المال وثلث المعاملات. فالاجتماع دليل البعد عن الخطأ، لحديث لا تجتمع أمتي على ضلالة، وحكم الإجماع الوجوب إذا ما تحقق، وهو متحقق في بابه العظيم باب الصيرفة القهية المعاصرة، فالمختصون الشرعيون البنكيون وإن كانوا قلة قليلة إلا أنهم بالقياس يعدون أمة في هذا المجال. وكذلك بشاهد منطقية الاجتهاد الدال على العبقرية الفذة للقائمين على هذا ثغر اقتصاد المسلمين. هذه العبقرية الفقهية التي استطاعت أن تتمخض عن قياس جواز الربا بثلث المال تملكا وتعاملا على جواز الصدقة بثلث المال. ولتطمئن نفوس المسلمين، فهذه العبقرية في الاجتهاد، متمثلة دائما لا تتخلف مطلقا في كل اجتهاداتهم في تطوير منتجاتهم البنكية النقية. ابتداء من تنزيلهم معاملات الشركات والبنوك الغير نقية على الربا وتنزيل معاملات الشركات والبنوك النقية على البيع في تفسيرهم النابع من العبقرية الفقهية التي يتمتعون بها لقوله تعالى {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (275) سورة البقرة.

وبما أن الكثير من أفراد المجتمع قد ارتضوا هذا لدينهم ولأنفسهم بالسكوت عنه، بل وبمناصرة كثير منهم لهذا الوضع، فقد قررت الاعتزال، مكتفيا بكتابة كتاب شامل في هذا، لعل الله يأتي بجيل خير من جيلنا، فيكون الكتاب عذرا لجيلنا بين أيديهم. ولكن اشتداد الحملة ضد الاكتتاب وتكرار القذف وتعاظم الدعاوى الباطلة التي تزعم شرعية ومنفعة الأسلمة الاقتصادية، أخرجني من عزلتي.

فقد تذكرت تحريم البنوك بتذكري قوله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} (116) سورة النحل. وقوله: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} (32) سورة الأعراف. وقوله «{قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} (150) سورة الأنعام. وقوله «{قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ} ثم تذكرت قوله تعالى :{فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} (160) سورة النساء. فقد حرم الله على اليهود الصيد في السبت وحرم عليهم الشحوم عقوبة لهم بتحريمهم لها من و عند أنفسهم دون أن يحرمها الله. فعاقبهم الله بظلمهم فجعلها حراما عليهم.

وارتفاع دعاوى أرباب الصيرفة خلال موسم الاكتتاب ارتفاعا لم يسبق أن حدث من قبل ذكرني قوله عليه السلام: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُوَد حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ، فَبَاعُوهَا، وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا». وذكرني بقوله تعالى: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ * وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}. فهجرت الاعتزال، فما ذكر الله من الناجين إلا الذين كانوا ينهون بني إسرائيل عن حيلهم بينما لم يخبرنا عن الساكتين الغير راضين بعمل قومهم. فالله أعلم ما حدث لهم. ألحق بهم العذاب أم عفى الله عنهم. وتذكرت خبر الصادق المصدوق فيما رواه البخاري ومسلم «لَتَتّبِعُنّ سَنَنَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. شِبْراً بِشِبْرٍ، وَذِرَاعاً بِذِرَاعٍ. حَتّىَ لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبَ لاَتّبَعْتُمُوهُمْ» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللّهِ آلْيَهُودُ وَالنّصَارَىَ؟ قَالَ «فَمَنْ؟» والاتباع يكون في منهج العبادة واتخاذ الوسطاء في فهم الدين وفي التحريم لمعاملات لم يحرمها الله والتحايل لتحليل حرام لم يحرمه الله، وليس الاتباع في أمور الدنيا فقد تبع الرسول منهج الفرس في اتخاذ الخندق. فكان مقال الأسبوع الماضي واليوم ومقالات لاحقة ما دام أن الاكتتاب قائما.

hamzaalsalem@gmail.com

تويتر@hamzaalsalem

مقالات أخرى للكاتب