27-10-2014

وزارة الصحة: أن تصل متأخراً خير من أن لا تصل أبداً

وأخيراً وبعد معاناة مع بيروقراطية الصمت والنفي، أكدت وزارة الصحة في ثوبها الجديد أن الجمال سبب ظهور هذا الفيروس، وأن هناك دراسات توصي بتطعيم الإبل حتى يتم القضاء على هذه السلالة من المرض، بعد ظهور حالات جديدة، وتوقعات بارتفاعها في موسم مخاض الإبل القادم.

ومع ذلك سأردد بتفاؤل: «أن تصل الوزارة متأخرة خير من أن لا تصل أبداً» بعد الإقرار بالعلاقة المباشرة بين الإبل والكورونا، وأرى أن تجربتنا الثرية في الصراع مع البيروقراطية الصامتة تستحق التوثيق، والتي في بعض الأحيان قد تكتفي بابتسامة صامتة، أو بنفي على استحياء، والسبب أن بعض المسؤولين يعتبر النفي والصمت نوعاً من الذكاء الإداري، وذلك لئلا يصطدم بالمصالح الخاصة، ولو كان ثمن ذلك صحة الإنسان وحياته والوطن ومستقبله.

لذلك أتمنى من وزارة الصحة في ثوبها الجديد أن تبدأ عملية تصحيح لبعض أثار البيروقراطية السابقه، على طريقة أن تصل ولو متأخرة لمعالجة بعض الأخطاء الكارثية، والتي أثبتت الأيام أثارها السلبية، وقد كان من كوارث تلك المرحلة القرار الشهير لسلم رواتب الكوادر الصحية الحكومية، والذي تبنته الوزاره قبل سنوات، وتضمن أن يُطبق على مؤسسة مستشفى الملك فيصل التخصصي، برغم من أن فيه ثغرة تشريعية، وقد حاول منسوبو التخصصي شرحها مراراً لمعالي الوزير السابق، وكانت الإجابة لا تخرج عن حدود الصمت البيروقراطي وعبارة الوزارة أبخص، وعليكم الرضوخ للأمر الواقع، وأن كانت كلفة ذلك إنهيار صرح طبي كبير.

الثغرة التشريعية يا معالي وزير الصحة سأشرحها بمنتهى الوضوح، والشفافية، وذلك من أجل الصالح العام، فالمستشفى تم تحويله لمؤسسه عامه قبل أكثر من عقد من الزمان، وتم إقرار سلالم رواتب خاصة بالمؤسسة، تختلف باختلاف المهنة والجنسية، فعلى سبيل المثال يوجد سلالم رواتب للأطباء والفنيين الصحيين السعوديين، وهناك سلم رواتب للأطباء والفنيين الأجانب حسب الجنسية، ويوجد سلم رواتب للإدارين السعوديين وآخر للأجانب، وأيضاً سلم رواتب لكادر المهندسيين السعوديين، وآخر للأجانب.

من آثار تطبيق القرار الشهير على التخصصي أن تم إخراج فئة الأطباء والمهنيين الصحيين السعوديين (فقط) من سلالم رواتب المؤسسة، ونقلهم إلى سلالم رواتب ديوان الخدمة المدنية الضعيفة، وتجميد رواتب الفئات من الأطباء والمهنيين الصحيين السعوديين التي تجاوزت السلم الحكومي.

الثغرة النظامية أن فئات الإداريين والمهندسين السعوديين والأجانب، وفئات الأطباء والمهنيين الصحيين الأجانب بقيت على سلالم المؤسسة، يتمتعون بمزايها وسلالمها المرتفعة عند المقارنة بسلالم الكوادر الإدارية والهندسية والأطباء والمهنيين الصحيين في ديوان الخدمة المدنية، والثغرة النظامية تشمل أيضاً مفارقة مدهشة، وهي أن الأطباء وعلماء الأبحاث العلمية في مركز الأبحاث لم يتم تحويلهم إلى سلم الكوادر الصحية في الوزاره، وظلوا يتمتعون بمزايا المؤسسة العامة وسلالمها..

كانت النتيجة أن تحول المستشفى إلى مؤسسة عامة ينعم بخيراتها وترقياتها الإداريون والمهندسون السعوديون والأجانب وفئة الأطباء والمهنيين الصحيين الأجانب، بينما حُرم الكادر الطبي السعودي من تلك المميزات بعد نقلهم إلى سلالم متدنية خارج المؤسسة، ولايزال هؤلاء ينتظرون تصحيح تلك الثغرة النظامية، وإعادة المستشفي إلى مؤسسة طبية لا تفرق بين الفئات العاملة فيها، أو اختيار القرار المستحيل، وهو إلغاء المستشفى كمؤسسة، وتحويل جميع الكوادر المختلفة في مؤسسة التخصصي إلى ديوان الخدمة، وهو ما يعني ضم المستشفي إلى وزارة الصحة، وتفريغه من مهامه التخصصية والبحثية.

بعد سنوات قليلة من إقراره، لم تعد تخفى عن الجميع تبعات القرار الشهير السلبية على المراكز المتخصصة، وقد تناقل الإعلام مؤخراً تصريحاً لرئيس اللجنة الصحية والبيئية في مجلس الشورى الدكتور محسن بن علي الحازمي، عن مشروع قرار زيادة رواتب الكادر الصحي بمن فيهم الأطباء، وبين الدكتور الحازمي أن وزارة الصحة ستواجه مشكلة كبيرة في توفير الكادر الطبي المميز للمدن الطبية الخمس التي تم إنشاؤها مؤخراً في مناطق ومدن المملكة، ولم يرد للتخصصي ذكراً في تصريح رئيس اللجنة الصحية والبيئية، برغم من تأثره البالغ بعد تطبيق القرار الإنتقائي على بعض منسوبيه.

وأضاف في تصريحه الأخير أن «الكادر الصحي لدينا ما زال ضعيفاً وربما تواجه وزارة الصحة مشكلة كبيرة بسبب عدم وجود الكفاءات، حتى على مستوى دول العالم يوجد نقص في الكادر الصحي فهي تعاني كذلك»، ومضيفاً أيضاً أن رواتب الكادر الصحي ليست كافية لجذب الأطباء من الخارج فضلاً عن الداخل، فكثير منهم يفضلون القطاع الخاص بسبب الرواتب العالية المجزية.

نأمل أن تصل الوزارات المسؤولة عن ذلك القرار إلى حل لهذه الثغرة النظامية، والتي كانت إحدى نتائج بيروقراطية الصمت والمكائد والتنافس السلبي بين المراكز الطبية، وخصوصاً أن الآمال أن نصل إلى مرحلة المراكز الطبية المتقدمة وغير الهادفة للربح مثل مايو كلينيك وغيرها لازالت قائمة برغم من التراجع الكبير الذي حصل بسبب تبعات القرار السابق على الكوادر الطبية السعودية.

مقالات أخرى للكاتب