27-10-2014

الفلوس (ما تغيِّر) كل النفوس!!

يطيب للبعض أن يُردِّد بسذاجة بعض الأمثلة الشعبية دون أن يوظفها في مكانها الصحيح؛ من ذلك ترديد أحدهم في الساحة الشعبية مؤخراً للمثل المعروف (الفلوس تغَيِّر النفوس) حين سأله مذيع في إحدى القنوات الفضائية الشعبية بأسلوب ملتوٍ استغل فيه المستضيف تدنِّي فطنة ضيفه وكان نص السؤال الموجه (أكثر زملائك الشعراء أصبحوا أثرياء إلاَّ أنت، بدليل أنهم تغيّروا عليك رغم طول أمد صداقتك بهم؟! ما تعليقك..).!

فكانت إجابته أنهم تغيروا بعد أن امتلأت أيديهم بالمال.. وذكر - للأسف- بعض الأسماء بشخصنة لاتليق.. والحقيقة أنه ليس صحيح البتّة أن المال هو مطلب للشعراء جميعهم فهم أبناء الفطرة الإسلامية السوية التي حددت مصادر المال الحلال وطرق توظيفه المشروعة، وهم أيضاً أبناء مجتمع العادات والتقاليد الأصيلة المستمدة من القيم النبيلة، والمثل يقول (من حصل شيء يستاهله) إذا كان ما حققوه من مال هو بفضل شقهم طريقهم في الحياة: ألم يقل الشاعر شوقي:

(وما نيلُ المطالِبِ بالتمنِّي

ولكن تؤخذُ الدُّنيا غلابا)

ولماذا لا يكون العيب في الشاعر -الضيف- الذي قد يكون أسقط على زملائه هذه التهمة السيئة، فمنذ مئات السنين لم تكن غاية الشعراء كلهم المال، وها هو الشاعر المتنبي يقول:

إذا نِلْتُ مِنكَ الوُدَّ فالمَالُ هَيِّنٌ

وكُلُّ الذي فَوْقَ التُّرابِ تُرابُ

بل إن هناك من قدامى الشعراء الشعبيين، رغم الظروف المادية الصعبة في المجتمع قبل ما يربو على مائتي سنة، من ربط بين الكرم في المال وما سواه من الطباع الكريمة في نصحه عبر القصيدة، ولم يدع للادخار المبالغ فيه لدرجة الشح والأنانية المفرطة مثل الشاعر حميدان الشويعر -رحمه الله- الذي يقول:

اربعٍ يرفعنَّ الفتى بالعيون

الظُّفَرْ والكرم والوفا والصلاح

واربعٍ يِنْزِلنَّ الفتى للهوان

البخل والجبن والكذب والسفاح

وغايات الشعراء منذ القدم، وهِمَّات أنفسهم العالية لا تقف عند المال، بل تتجاوزها لما يفوقه أهمية بمراحل في الحياة يقول الشاعر فجحان الفراوي -رحمه الله-:

لو إن مقصدنا العطاء قد عطينا

مار القلوب إلها نحايا بالأوداد

ومن الشعراء ما جعل إيثار الرجال بالمال في وقت الشدّة هو اختبار دقيق للحكم للرجل أو عليه في مواقفه، إن سلباً أو إيجاباً وهذا أمر يحسب للشعر الشعبي في الكشف عن معادن الرجال في المواقف.. يقول الشاعر زبن بن عمير البراق -رحمه الله-:

رفيق ما ينفعك بأيام الكَدَا

لا مرحبا به والليالي سهود

كما قيل من لاجاد والوقت قاسي

كلٍ إلى جاد الزمان يجود

ومن الشعراء من جعل عزَّة النفس والسمعة والكرامة مُقدّمة على المال حتى لو كان المال -له شخصياً- وأدَّى به الأمر إلى التنازل عنه لغيره.. يقول الشاعر محمد بن صقر السياري -رحمه الله-:

لي صار لك في راس مالك طليبِ

فاسمح عن اللِّي لك ودارٍ بدل دار

وعليه، فإن الفلوس لا تغير إلاَّ ((النفوس الرديّه) أما الشخص (اللِّي كفو) ما تغيره لا فلوس ولا غيرها)).

لذا، أرجو من الإخوة القائمين على بعض القنوات الفضائية الشعبية عدم الصيد في الماء العكر (وأن يجمعوا ولا يفرقوا) فكلنا إخوة وزملاء في الساحة الشعبية، تربطنا ببعضنا المودة والتقدير ورابطة الأدب، وقبلها رابطة المواطنة وهي الأهم.

abdulaziz-s-almoteb@hotmail.com

مقالات أخرى للكاتب