27-11-2014

خطاب العنف : من إدارة التوجس إلى إدارة التوحش!

يمكن توصيف الخطاب الذي تربى عليه الشباب في مرحلة مضت بأنه كان خطابا تعبوياً مليئا بمفردات التوجس والصراع، فينشأ الشاب -الذي تشكلت رؤيته من هذا الخطاب-

بطريقة أصولية خطيرة، يكبر وتكبر معه هموم الهيمنة والسيطرة، ويكون مسكونا بفكرة الفرز والتصنيف، ومن الذي معه ومن الذي ضده، فيضمر لديه التدين الفطري الصحيح الذي يتعامل صاحبه مع الناس بعفوية تامة ويحسن الظن بكل من حوله؛ لأنه يعتقد أن الخير موجود في كل مكان، ولا يزايد على الناس في إيمانهم وتدينهم، وفي المقابل يقوى لديه جانب التدين الأصولي الحركي الذي يتوجس ويخاف من كل شيء، ويفسر كل التصرفات التي تجري في مجتمعه بأنها تحصل في سياق وسباق التآمر والصراع، وكل التحولات الفكرية التي يشهدها ماهي إلا تجليات لحالة الانتكاس والارتداد التي شاعت في المجتمع ومن ثم - نتيجة لهذه الرؤية - يبدأ وصف التدين عنده بالانحسار إلى أدنى درجة ممكنة فلا يبقى من يتمثل هذا الوصف إلا النزر اليسير من الناس، هم فقط أولئك الذين يحملون رؤيته ويؤمنون بأفكاره ويتمسكون بنفس الآراء والاجتهادات الفقهية التي يتمسك بها، وفي المقابل تتوسع عند هذا الشاب دائرة الانتكاس والنكوص عن الحق، فأي تحول من رأي فقهي - في مسألة خلافية - إلى رأي فقهي آخر هو تعبير صريح عن الانتكاس! بل حتى إن التغير في المظهر يدل عند كثيرين منهم على حالة من الارتداد عن الحق أو هو بالتعبير الشرعي: تحول من الكور إلى الحور! وهكذا جرى اختصار دائرة الإسلام الرحبة والواسعة - بفعل هذا الخطاب المتوجس - إلى دائرة صغيرة لا أعتقد أنه حصل في التاريخ مثلها. ومما يزيد حالة التأزم لدى الشاب حضور نظرية المؤامرة في ذهنه، فهو يعتقد أن كل من حوله يتآمرون على الإسلام، ويكيدون له، ويحيكون الدسائس في الظلام للنيل من الدين، وأن كل تلك المظاهر الكبيرة التي تدل على الخير في بلده إنما هي مساحيق تخفي خلفها الكثير من الدسائس والألغاز ! وما هذه القرارات والمواقف التي تصدر إلا من أجل ذر الرماد في العيون! وهكذا يجري طمس كل معالم الخير في عقل الشاب ووعيه حتى يبقى في دائرة التوجس والقلق.

أما على مستوى خطاب الرمز فهو خطاب تعبوي بامتياز، يجعل المتلقي في حالة دائمة من التحفز والاستعداد، خاصة أن الكثير من محاضرات الرموز التعبوية تلقى في المساجد، وهذا يمنحها قدرا كبيرا من المصداقية والقداسة، ولهذا لا يستطيع المستمع أن يبدي اعتراضه على ما يطرح فيها من أفكار، بل ليس له الحق أصلا في الاعتراض، فقط عليه أن يطرق برأسه ويستمع، وهذا يقودنا إلى قضية مهمة وهي أن المساجد يجب أن يقتصر النشاط الديني فيها على خطب الجمعة والدروس العلمية، أما المحاضرات العامة فمكانها في النوادي الأدبية، والمراكز الثقافية حتى يتم تداول وتمحيص أفكارها في النقاش والحوار. أما تحويل المساجد إلى مكان للمحاضرات الفكرية والندوات الثقافية كما هو حاصل الآن فهو أمر حادث في التاريخ الإسلامي.

حتى على مستوى الخطاب الفقهي يتم تطعيمه أحيانا بمفردات الصراع والتعبئة، وقد كنت أقرأ قبل أيام تصريحا لأحد الدعاة وهو يدعو إلى مقاطعة الاكتتاب في أحد البنوك ؛ لاشتماله - برأيه - على معاملات محرمة، فيقول: يوم الأحد القادم (وهو موعد بداية الاكتتاب) امتحان إيماني ..» ولا أدري ماهي الحاجة إلى هذا الخطاب التعبوي الصارخ؟! مع أنه كان بإمكانه أن يفتي بالحرمة وينقل فتوى هيئة كبار العلماء في هذا الموضوع ويكتفي بذلك.

أما على مستوى معيارية الترميز، فغالبا لا يمكن أن يتأهل لهذا المقام إلا ذلك الرمز الذي يتقن مهارات هذا اللون من الخطاب، وثمة مقوم آخر، وهو ضرورة أن يعيش المتأهل لهذا المقام في حالة صراع وقطيعة مع السلطة، فهذا يمنحه امتيازات جماهيرية كبرى، دون النظر إلى مستوى قدراته العلمية والمعرفية! حتى على مستوى خطيب الجمعة، فالخطيب الذي يتزاحم الشباب على أبواب مسجده - هو الذي يستعمل وبكثرة مفردات الاحتجاج والتعبئة في خطبته، فتراه يحتج على كل شيء، ويعترض على كل شيء ويخوف الناس من كل شيء! ومحال أن تراه يوما يبشر بخير على مستوى الوطن، فقط تراه يبشر بالخير ويدعو للتفاؤل حينما يكون الخطاب أمميا موجها للأمة الإسلامية ! هنا تجد مفردات التفاؤل تتوالى وحاضرة في خطابه، أما حينما يكون الخطاب على مستوى الوطن فهو مليء بمفردات التشاؤم والتوجس والتخويف مما وراء الأكمة! ناهيك عن تغييب العقل بشكل مروع والضرب على وتر العاطفة بلغة صارخة! وخاصة عندما يكون الموضوع عن الأزمات التي يعاني منها المسلمون في العالم، هنا يعمل الخطيب على شحن النفوس وإثارة العواطف، وتغييب العقل، وتصوير المآسي والدماء بلغة فاقعة! وكأن المصلي يراها ماثلة أمامه! ولك أن تتخيل شابا لم يتجاوز العشرين من عمره كيف يفكر في تلك اللحظة وهو يستمع إلى هذا الخطاب العاطفي التعبوي؟! لا شك أنه سيتألم كثيرا من عذابات الأسئلة المقلقة : ماذا أصنع؟ كيف تبرأ ذمتي بالسكوت؟ لماذا لا أغير هذا الواقع؟ كيف أنصرف إلى أهلي وأنام قرير العين في بيتي وإخواني المسلمون تنزف دماؤهم؟! هنا يبحث الشاب عن أخصر طريق للخلاص من هذا العذاب والألم النفسي ويجد أن الشهادة في سبيل الله هي أقصر الطرق فيهرع إلى تلك الجماعات التي ترفع شعارات الجهاد ويقع في شراكها ومن ثم يبدأ رحلة التوحش معها من جديد!

وحينما تقول للخطيب أنت بهذه الطريقة تكون سببا في التحاق هؤلاء الشباب بهذه الجماعات يرفض هذا الاتهام! وينسى أنه هو الذي أيقظ في داخل الشاب فكرة الخلاص عبر تناوله للموضوع بهذه الطريقة العاطفية التعبوية!! ويمكن أن نصور المسألة بهذا المثال التقريبي فنقول: إن هذا الرجل الكبير (الخطيب) بالفعل لم يشعل النار لكنه ملأ الغرفة بالغاز ثم خرج وأقفل الباب ليأتي الشاب الصغير من بعده ويشعل عود الثقاب!

وهنا مسألة في غاية الأهمية في تقديري وهي خطورة تعاطي خطاب التوجس مع قضايا المسلمين بهذه الطريقة المعولمة، فهذا الخطاب لا ينظر إلى الحياة الدنيا بأنها دار للابتلاء والاختبار، وأن الأصل ألا حساب فيها على الظالمين والمتجبرين، وإنما «يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار «وإنما يؤصل -بتطبيقاته -عكس ذلك، وهو أن الدنيا كما هي دار ابتلاء فهي دار حساب وعقاب، ونتيجة لهذا فالشاب يترقب دائما لحظة تحول التاريخ، وتغير الموازين، و»انبلاج الفجر» ولهذا تكثر في أدبيات هذا الخطاب مواعظ الصبر، وأناشيد التبشير بالفجر القادم، وانتظار اللحظة التاريخية الفاصلة، فيبقى الشاب - بسبب هذه التعبئة - يمني نفسه كل لحظة بأن يشارك في التغيير القادم ولو كلفه ذلك حياته. وعامة ما يسمعه الشاب من الخطب والمواعظ والأناشيد تكرس هذا المعنى وتؤكده، لكن في المقابل لا أظنه سمع مرة توجيها واقعيا من أرباب هذا الخطاب بأن الموقف الصحيح في مثل هذه الأحوال هو أن يسعى الشاب جهده في بذل الأسباب الفردية من الدعاء وغيره، وأن يدع ما لا قدرة له عليه - من مثل ما يتعلق بالسياسة الشرعية وعلاقات الدول - لولي الأمر فهو أعرف بالمصالح والمفاسد، وأن التصرف في هذا الباب من دون إذن ولي الأمر هو افتئات عليه ومنازعة له في المسؤولية التي كلفه الله بها! وإني لأظن أنك لن تجد مثل هذه الواقعية في أدبيات هذا الخطاب.

وحتى يضمن الرمز حضوره في دائرة التأثير أو الاهتمام - يحاول دائما أن ينأى بنفسه عن أي إشارة مباشرة أو غير مباشرة إلى الثناء على السلطة وعدم منحها أي مشروعية! لأنه يعلم أنه لا يمكن أن تقبل منه الجماهير «المعبئة» ذلك، في حالة واحدة فقط يمكن أن يغفر له حينما تكون القضية تكتيكا براجماتيا ومناورة سياسية، وليس دينا يدين الله به. وهكذا ينشأ الشاب ويتشكل عقله في هذا المناخ الموغل في التوجس، وتكون مهمته فقط هي انتظار الفرج ورحلة الخلاص من هذا الألم .هذه هي قصة خطاب التوجس والتوحش باختصار، وهي في تقديري قصة مؤلمة لازلنا حتى اليوم ندفع فواتيرها الباهظة وأثمانها المكلفة.

أخيراً : لم أكتب هذه المقالة إلا لأقول باختصار: إن ما نحن فيه كان نتيجة منطقية وطبيعية لما كنا عليه، وإذا أردنا أن نصحح الوضع فلا بد من مراجعة ذلك الخطاب وبيان عيوبه الأخلاقية والمنهجية والشرعية، وأن ننخرط جميعا في عملية التصحيح والبناء ، وأن ندشن خطابا فكريا جديدا يجعل الشاب يعيش في مجتمعه متصالحا مع نفسه ومع من حوله ومنسجما مع ولاة أمره، وقد سبق أن تحدثت عن مواصفات هذا الخطاب بالتفصيل في ثلاث مقالات بعنوان «جدلية العنف والخطاب الشرعي». والله أعلم .

khaled4321@gmail.com

كلية الشريعة - جامعة القصيم

مقالات أخرى للكاتب