الطائف - «الجزيرة»:
اعترف الدكتور فهد بن سعد الجهني أستاذ الدراسات العليا بجامعة الطائف والمدرس بالمسجد الحرام أنه مع تتبعه ومتابعته لحالات الشباب الذين تأثروا ببعض المعتقدات والأفكار الموغلة في الشذوذ والخروج عن معتقدات جماعة المسلمين لم يجد حتى الآن عملاً وجهداً علمياً وفكرياً قوياً ومقنعاً يوازي ويتناسب وهذا الخطر الداهم والسيل العارم. وخاطب الدكتور فهد الجهني الشباب في حواره مع «الجزيرة» بألا يكونوا عرضة للتغيير والتبدل مع كل ناعق وزاعق، وألا يكون مصدر التلقي عندهم الحسابات المجهولة والأسماء المأفونة. وتساءل الجهني: كيف يتحول الشباب بين عشيّة وضحاها إلى مكفّر أو مفجّر إلى قاتل وخائض في دماء المسلمين والموحدين بكل وحشيّة وبرود!
وفيما يأتي نصّ الحوار:
* كيف ينظر فضيلتكم وأنتم من المتابعين والمطلعين للجهود المبذولة في تحصين شبابنا من التأثر بالأفكار الضالة، وهل وصلت للمستوى المًقنع والمؤثر؟
- هذه الفتن وتلك القلاقل والمحن وما يتعرّض له بعض شبابنا ممّن أخذهم الحماسُ والغيرةُ على الدين وحبّ الخير إلى أن وقعوا - بجهلهم - في حبائل هذه الفتن، وتأثروا بطريقةٍ عجيبة مُخيفةٍ ببعض المعتقدات والأفكار المُوغلةِ في الشذوذ والخروج عن معتقد جماعة المسلمين! حتى باتوا - مع الأسف والألم - باتوا حطباً ووقوداً لحروبٍ ومعارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل! يدفعهم الحماس ويوجههم قلةُ الفقه وكثرة الجهل وسهولة التأثير عليهم!
وإني مع التتبع والمتابعة لم أجد إلى الآن عملاً وجهداً علمياً وفكرياً قوياً ومقنعاً يوازي ويتناسب وهذا الخطر الداهم والسيل العارم!
وهذه مشكلة حقيقية بحد ذاتها!
لا يزالُ خطابنا الفكري والديني والثقافي يتسم ويتشبّعُ بنمطيته المعهودة! والتي تكتفي بمجرد نقد الواقع ومهاجمة المخالف والمُخطئ والمنحرف عن الجادة، وبيان أن الدين من هذا الفكر أو ذاك بريء! وهذا صحيح ولاشك، ولكنه: غير مؤثر وقليل النفع!
فما زال التأثيرُ على عقولِ الشباب ليس بالأمر الصعب، ولا يحتاج كبيرَ جُهدٍ ولا كثير وقت! وهذه المُعضلةُ وووجه الإشكال ومكمن الخطر الحقيقي!
كيف لتنظيمٍ حادث وموغل في الإجرام والشذوذ كداعش مثلاً أن يؤثّر من بُعدٍ على عقول وتوجهات أبناء المسلمين - ومنهم شبابنا - حتى يقودهم مسلوبي الإرادة والتفكير حتى يرموا بأنفسهم وبكل حماسٍ وطواعيةٍ إلى أنواعٍ من التهلُكات والأخطار، حتى يسهل عندهم القتلُ والذبحُ والسفكُ بعد أن سهل عليهم التكفيرُ والتفسيق؟!
كيف يتحوّل الشاب الذي كان يعيش في أمان وسلامٍ وعافيةٍ في دينه وفي كنف والديه وحضن بلده، كيف يتحول وبين عشيةٍ وضحاها، إلى مُكفّر أو مُفجّر إلى قاتل وخائضٍ في دماء المسلمين والموحدين بكل وحشيةٍ وبرود! بل ويفتخر بذلك ولا يرى غضاضة أو حرجٍ في تصوير هذه الأفعال الوحشية ونشرها!!
وأي تشويهٍ لصورة الإسلام وأي خدمةٍ لأعدائه أعظم منْ هذه الخدمة؟ يا منْ تبغون بخدمته ونصرته!وربّ باغ للخير لا يُوفق - إليه! حسبنا الله ونعم الوكيل.
لابد أن نضع هذا التساؤل نصب أعيننا ونكون صادقين مخلصين في الإجابة عنه دون خجلٍ أو مجاملةٍ أو مداهنة، لا بد أن نضعَ أيدينا على مكمن الخلل وموطن الداء، حتى نصل لإجابةٍ مقنعة كيف يُؤثرِّ أولئك ولماذا يتأثرُ هؤلاء؟!!
* وماذا تقترحون إذاً؟
- لا بد من عملٍ علمي جاد ومؤسسي، يُفكّك أسرار وتفاصيل معتقدات هذه التنظيمات الخارجة عن جماعة الأمة، ويرصد شبهها وحججها ومكامن قوتها وضعفها، ثم يجيب عنها إجابةً علمية فقهية فكريةً مُقنعة وصادقة حتى يُكتبُ لها الأثر والقبول والنفع!
وحتى نصل لهذه المرحلة وهذا المستوى من العمل، سيظل الخطر مُحدقا بنا، لا نملك إلا الدعاء وهو نعم السلاح ونعم المفزع، نعوذ بك اللهم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
* وما كلمتك لشبابنا؟
- شبابنا فيهم خير كثير ورجولة وتدين، وقد عشتُ معهم وبينهم كثيراً - إبّان كنتُ عميداً لشؤون الطلاب في الجامعة لسنوات طويلة - وعرفتُ فيهم أنهم إذا وجدوا التوجيه المقنع الهادئ والدعم والثقة فإنهم سيبدعون ويُنجزون ولديهم الطاقة والرغبة لخدمة دينهم ومجتمعهم ووطنهم.
أقول لهم: بلدكم فيه خير كثير وقيادة رشيدة مُحبة لشعبها وبلدها وهناك مساحات كبيرة جداً من العمل الجاد والمثمر والبنّاء الذي تخدمون فيه دينكم وبلدكم وأهلكم والمسلمين جميعاً.
ولا تكونوا عرضةً للتغيير والتبدّل مع كل ناعق وزاعق ولا يكن مصدر التلقي عندكم الحسابات المجهولة والأسماء المأفونة!
الزموا علماءكم الكبار المعروفين الراسخين وأساتذتكم المؤتمنين، واندمجوا في مجتمعكم وكونوا عامل إنتاج فالمؤمن القوي بعقله ودينه وإنتاجه خير من الضعيف!
وهنا استوحي ما قاله فضيلة إمام المسجد الحرام وخطيبه الشيخ د.صالح بن حميد في خطبته ونصيحته للشباب حين قال:
(أيها الشاب الصالح: اتَّق الله في نفسِك؛ فإن القضية قضيةُ دماءٍ تُسفَك، ومُسلمٍ يُكفَّر، وأمةٍ تُنتهَك.
قِف - حفِظَك الله - وقفةَ صدقٍ مع نفسِك؛ فإن الوقوفَ غدًا بين يدي الله قريب، فكيف ستكون مِيتَتُك وخاتمتك؟!
قِف وقفةَ صدقٍ في دعاءٍ وتضرُّعٍ وابتِهالٍ، وتوجَّه إلى ربِّك لأن يهديَك إلى الحق، وأن يُريَك الحقَّ حقًا ويرزُقك اتباعَه، وأن يُريَك الباطلَ باطلاً ويرزُقك اجتِنابَه.
فهل أنت معصومٌ من الخطأ وهل من تتبعهم أنبياء معصومون؟! اتق الله واعمل عقلك.
توجَّه إلى أهل العلم الثقات الإثبات، اسأل أهل الذكر، وإياك والتردُّد، فالقضيةُ قضيةُ دينٍ، وأمةٍ، ودماءٍ، ومصير، ثم وقوفٌ بين يدي الله!!
ماذا سيفعلُ هؤلاء القتَلة بـ- «لا إله إلا الله» إذا جاء بها صاحبُها يوم القيامة؟! ماذا سيفعلُون بتكفير المُسلمين؟! وماذا سيفعلُون بتفريق الأمة؟! وماذا سيفعلُون بالتمكين للأعداء؟! وماذا سيفعلُون بضياع الشباب؟! ماذا سيفعلون بفواجع الآباء والأمهات؟ كيف يسلمون من دعاء الشيوخ الركع والمُسبحات الخشع؟ حسبُنا الله ونعم الوكيل).
* باعتبار فضيلتكم مستشارًا غير متفرغ في رئاسة الإفتاء كيف ترون جهود هذه الرئاسة المهمة في هذا الاتجاه؟
- لا شك أن رئاسة الإفتاء برئيسها سماحة المفتي، وأعضائها أصحاب المعالي المشايخ الأفاضل لها مكانتها وأثرها ودورها المرتقب والمؤثر في داخل المملكة وخارجها!
فهي أحد أهم مصادر تلقي الناس للعلم الصحيح المؤصّل الوسطي، ولهم جهود لا يمكن جحدها أو التقليل منها بحال! من خلال الفتاوى المهمة في مسائل كبرى تهم الأمة.. ومن خلال اللقاءات والجولات المتعددة لأصحاب الفضيلة في كثير من مناطق المملكة للتوجيه والنصح، وهناك أمر مهم قدْ لا يعلمه كثير من غير العارفين وهو: أن أصحاب الفضيلة يلتقون يومياً وفي مكاتبهم أو مساجدهم بعشرات الشباب والسائلين والذين لديهم إشكالات ويصبرون على مجادلتهم ويجيبون بكل رحابة صدر وسعة بالٍ وحلمٍ وعلم.
* وما أبرز مؤلفاتك في هذا الباب؟
- نعم ولله الحمد، فقد أصدرت قبل عشر سنوات تقريباً كُتيباً بعنوان: (وقفات تأصيلية، التكفير بين العلم والجهل) طبعت منه عشرات الآلاف من النسخ، وكان له بفضل الله قبولاً وأثراً حتى من شباب من خارج المملكة، ولي كتاب آخر له علاقة بهذا الموضوع وهو: (الفتوى وأثرها في حماية المعتقد وتحقيق الوسطية).
إضافة للمشاركة في العديد من المؤتمرات الفكرية التي تناقش هذا الموضوع، والإشراف على عشرات اللقاءات الشبابية التي تهدف إلى حماية شبابنا من هذه المعتقدات.