عدّ إمام وخطيب جامع أبي بكر الصديق بمدينة نجران الشيخ محمد بن عبدالعزيز المطرودي الرضا والسكينة باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العارفين، وجادة الطمأنينة، والرضا شجرة منبتها النفس، وهو يحد من سوءة الحرص والطمع، وطغيان النفس وجشعها، {وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ}، يقول عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: «ارض بما قسم الله تكن أغنى الناس، واجتنب محارم الله تكن أروع الناس، وأدِ ما فرض الله تكن أعبد الناس»، وفي الحديث: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَم َوَرُزِقَ كَفَافاً وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ).
وإن باب الرزق والكسب من أكثر الأبواب التي يظهر فيها إيمانُ الناس ونفاقُهم، ومعرفتُهم بربهم وجهلُهم، فالجاهلُ إنْ ناله شيءٌ من الدنيا رضي، وإنْ نقص رزقه فاض الحسد والسَّخطُ من شفتيه، وبهذا القدر ونحوه يتمايز المؤمن من المنافق، ويستبين قبح الفهم وسوء الظن بالله. وأكّد المطرودي بأنّه ليس شرط الرضا أن لا يحس السعيد بالألم والمكارة؛ بل المطلوب أن لا يعترض على الأقدار، ولا يتسخط من الحوادث والنوازل، فهو راضٍ كرضا المريض بشرب الدواء المر لأنه يعلم العاقبة ويرجو العافية، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبَ الصَّالِحُ» رواه أحمد بسند صحيح من حديث سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -. وأشار إمام وخطيب جامع أبي بكر الصديق بنجران أن أعظم الرضا الإيمانُ بالله ومحبتُه، فإنهما إذا اجتمعا جلبا السعادةَ القصوى، والسكينةَ التي تعمر القلوب بالبهجة، إننا خلقنا لنؤمن بالله، وأن نعيشَ على هذه الأرض بمقتضى هذا الإيمان، فالإيمان علم ومعرفة، دلائلها الوحيُ والعقل، وكلما زادت المعرفةُ زاد الإيمان، وإن الإيمان يجعل العبد في أفضل حالاته العقلية، كما أن الإيمان يتطلبُ مؤمنين مخلصين وواثقين، ويحتاج ولاءً وإخلاصاً ثابتين، فمعرفة الله أعظم المعارف، وفي الصلاة والدعاء وشائج وصلات تغمر القلب بالرضا والسكينة.
إن هذه الفوضى النفسية، والأفكار المضطربة التي تجتاح بعض النفوس؛ سببها قصور المعرفة بالله، وأفعاله، وسننه في النفس والكون والحياة، وعلى وجه الدقة فالنقص في فهم مقاصدِ أقدارِ الله، وأسرارِ القضاء والقدر، أصابَ بعض النفوس بالحيرة، فغزتها الكآبةُ والقلق، وأحاطت بها الهموم، وأصبح التوجسُ من الحاضر، والرهبة من المستقبل، وألم الماضي، ينهش هدوء الناس وسعادتهم، روى مسلمٌ عَنْ صُهَيْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ)، ونحن نردد كل يوم وبلا توقف: (بسم الله الرحمن الرحيم)، وليس من أسماء الله اسمٌ متمحضٌ للعقوبة والانتقام لأنه الرحمن الرحيم، سبقت رحمتُه غضبَه، وكتب الرحمة على نفسه، ثم تجد في سلوك بعض المؤمنين ما يجعلك تتساءل كثيرا هل يفهم الناس ما يرددون!