الرياض - خاص بـ«الجزيرة»:
أكد الداعية الشيخ محمد بن عبدالعزيز المطرودي أن الخطاب الراشد ماكان منسجماً مع مقاصد الهدي النبوي، وسنة الخلفاء الراشدين، التي بها حفظت أصول الإسلام.
وقال الشيخ محمد المطرودي في حواره مع «الجزيرة» إن الدعوة لتجديد الخطاب الديني من خلال استعمال الأساليب الحديثة فهو حق، بل هو أصل في دعوة الأنبياء والرسل، وإذا كان مقصود التجديد إفراغه في محتواه الشرعي وجعله ألعوبة بين الأحزاب، والأفكار والخصومات فذلك مناقض للمقصد الشرعي.
وشدد الداعية المطرودي على أن للجوامع والمساجد رسالة شرعية واضحة، وهي من أشهر علامات المجتمع المسلم بشكل محسوس ومشاهد، مشيراً إلى أثر خطبة الجمعة في إصلاح المجتمع.. وفيما يلي نص الحوار:
* لكم ما يزيد عن عشر سنوات وأنتم تعتلون منبر الجمعة، كيف ترون حال الخطباء الآن؟ وماذا ينقصهم؟
- توفي نبينا عليه الصلاة والسلام والمساجد لا تتجاوز عشرة جوامع ومساجد، ومنذ اللحظة الأولى لوصوله الشريف إلى المدينة بدأت قصة الجوامع والمساجد، ففي أقل من خمسة عشر يوما بنى مسجدين، مما يعني ترسيخ هذه القيمة الشرعية لما تعنيه هذه الجوامع والمساجد بالنسبة للعقيدة والقيم الإسلامية، اليوم في المملكة العربية السعودية مائة ألف مسجد، منها خمسة عشر ألف جامع، وعبر تاريخ الأمة الإسلامية، وفي أحلك الظروف التي مرت بها لا نعرف أن خطبة الجمعة تعطلت، وإنما استمرت رغم كل الأحوال، فكانت بعد فضل الله سبباً في حفظ أصول الشريعة ومحكماتها، وأصول الأخلاق، وفضائل النفس.
ولا يخفاكم أن المساجد هي أشهر علامات المجتمع المسلم بشكل محسوس ومشاهد؛ ولها شأن عظيم في تاريخ الدعوة الإسلامية، فهي بيوت الله عز وجل يُعْبَد فيها وحده ليلاً ونهارًا، فهو القائل:(وَأَنَّ الْـمَسَاجِدَ لله فَلاَ تَدْعُوْا مَعَ اللهِ أحَدًا) وهو القائل:(في بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ).
ولخطبة الجمعة تميز خاص لم يسبق إليه المسلمون لا في يوم الجمعة ذاته، ولا في خطبة الجمعة نفسها، كما في صحيح البخاري: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال:(نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له والناس لنا فيه تبع اليهود غدا والنصارى بعد غد).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة وحذيفة - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:(أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق).
وأيضاً: لما للخطابة من أهمية بالغة عند البشر عموماً، وعند العرب خصوصاً، فهم أهل البلاغة والفصاحة، ويدهشهم المنطق الفصيح ويأخذ بقلوبهم، بل كانت سببا في ثباتهم كما فعل سهيل بن عمرو رضي الله عنه عندما خطب بأهل مكة بعد وفاة النبي عليه السلام فكان خطيباً مفوهاً حارب الردة التي فشت في مكة، ومثله عثمان بن أبي العاص وكان من أعظم الناس بركة لقومه في زمن الردة، فإن ثقيفاً لما عزمت على الردة قال لهم:(يا معشر ثقيف كنتم آخر الناس إسلاماً، فلا تكونوا أول الناس ردة) فامتنعوا على الردة، وثبتوا على الإسلام.
هذه الجوامع والمساجد لها رسالة شرعية واضحة، وبنيت لما بنيت له، من الدعوة إلى التوحيد، وأصول الشرعية، ومحكمات الإسلام، ورعاية القيم الفاضلة، وجمع كلمة المسلمين على الأخوة والتآلف.
فهي رسالة شرعية؛ للإيمان والذكر والسلام كما قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ).
واليوم في المملكة العربية السعودية مائة ألف مسجد وجامع، وهي حال تستوقف المؤرخ والباحث أن يتأمل هذا الانسجام التام بين رسالة المملكة العربية السعودية الإسلامية، وبين منابر الجمعة التي تدعو للوسطية والاعتدال؛ كل هذا إذا انضاف له تكامل الأدوات المعرفية للخطيب كانت الخطبة في أفضل أحوالها، سواء الأدوات اللغوية، أو الأسلوبية، وفهم الطبائع وعادات الناس، وقراءة التاريخ وآثار الأمم، والموضوعية في تناول الأشياء، فلا يضخم ما حقه التصغير، ولا يصغر ما حقه التعظيم، والنقص في كل هذا ولا شك أنه يعود بالخلل على الخطبة ورسالتها قبل كل شيء.
* يتحدث الكثيرون عن الخطاب الديني ويطالبون بتطويره أو تجديده.. من وجهة نظركم ما هو الخطاب الديني الراشد الذي تحتاج إليه مجتمعاتنا؟
- الخطاب الشرعي شأنه كأي شيء يتأثر بالأحوال والظروف وبالأخص المعرفي منها، ثم السياسي والاجتماعي والنفسي، وغير ذلك من المؤثرات، وتجديد الخطاب الديني إذا كان المقصود منه استعمال الأساليب الحديثة، والوسائل الدعوية المندرجة تحت أصول الشريعة ولا تخالفها، ومراعاة أحوال المكلفين، فذلك حق، بل هو أصل في دعوة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، أما إذا كان تجديد الخطاب الديني إفراغه من محتواه الشرعي وجعله ألعوبة بيد الأحزاب، والأفكار، والجدل والخصوماث الثقافية فذلك مناقض للمقصد الشرعي الذي من أجله شرعت الدعوة، وحشدت لها كل الوسائل المعنوية والحسية التي تضمن أقصى حد للاستفادة منها كما لا يخفى على شريف علمكم.
فالخطاب الراشد ما كان منسجماً مع مقاصد الهدي النبوي، وسنة الخلفاء الراشدين، التي بها حفظت أصول الإسلام، إذ إن عامة المسلمين لا يتخلفون عن شهود الجمعة في كل البلدان الإسلامية، فإذا كانت الخطبة في هذه الأصول كان بسبب ذلك خير عظيم في وضوح الهوية الإسلامية، وقد قال الإمام الشافعي:(إن أصول الإسلام نقلها عوام المسلمين عن عوامهم عن عوامهم) ولا أجد ذلك والله أعلم إلا من شهود الجمعة؛ التي تميزت بخطابها الديني الراشد؛ فحفظ الله بها دين المسلمين وأخلاقهم، ومهما مرت بالعالم من أزمات سياسية، واجتماعية، وفكرية، كانت الجمعة ملاذاً للتائهين، وثباتاً للمؤمنين.
* موجات الإلحاد تشق طريقها على مواقع التواصل الاجتماعي للتأثير في عقيدة الشباب.. فكيف نحميهم من هذه الأفكار المسمومة؟
- موجات الإلحاد التي انتشرت في مرحلة من تاريخنا المعاصر، وهي عبر التاريخ موجات عابرة، وليست ظاهرة متغلغة في مجتمعنا، وعلى مؤرخ الأفكار، والمتابع للأحوال أن ينتبه لهذا الأمر، فهي موجه لا تلبث أن تضعف، وتأخذ مكانها الملائم لها، أما المبالغة في ذلك، فلا الواقع في المملكة العربية السعودية مثلاً يدل عليها، كما أنه لا يتوفر دراسات دقيقة عند من يدعي أن الإلحاد يشكل ظاهرة بين شبابنا وبناتنا، والواقعية في وصف الأفكار هي جزء أصيل من الموضوعية العلمية، فلا يصح أن يقال هذا وجوامعنا تمتلئ كل جمعة، ولا تكاد تجد جامعاً مع كثرتها يتسع لكل المصلين، وفي الأعياد، ورمضان شواهد على أن الكلمة للإيمان، وأن الإلحاد أمر شاذ لا حاضنة فكرية له، ولا منصات ثقافية تكتب فيه، وهي أحوال فردية من الجيد مداواتها بهدوء.
فالتركيز على أصول الإسلام، وأركان الإيمان، والقيم، هو النور الذي تهدى به النفوس، وترد بسببه العقول الحائرة، خاصة إذا جنب صراع الأفكار والأحزاب التي تشوه الهوية الإسلامية، وتحتكر الصواب لنفسها، بينما الإسلام أوسع منها وأعدل.
* عقم الخطاب الدعوي يراه البعض أنه من أسباب ضعف المسلمين في مواجهة التحديات في حين يرى آخرون أن الدعاة أصبحوا مشغولين بالسياسة أكثر من الدعوة.. كيف ترى ذَلِك؟
- الخطاب الديني شأن بشري يعتريه الضعف والقوة، والفتوة والحكمة، والفتور والحماسة، ولا شك أن زلة العالم والداعية والمفتي تلقي بظلالها على الناس، وتؤثر فيهم، وزلة العالم والداعية تنسب له ولا يعيّر بسببها الإسلام، والملاحظ بالاستقراء التام أن الهدي النبوي وسنة الخلفاء الراشدين؛ في الخطاب الدعوي كان شرعياً، وأخلاقياً، ولم يكن سياسياً محضاً، أو دعوة لعصبية، وعنصرية، وحزبية، فهذا أمر لا يليق بالخطاب الديني الذي يفقد أثره ويتشوه عندما تداخله هذه الآفات الفكرية.
فالإصلاح للخطاب الديني أمر ملازم للدعوة والدعاة منذ انبلاج نور هذه الرسالة العظيمة، وحفظت لنا دواوين السنة النبوية، والسير، أمثلة كثيرة في إصلاح الخطاب الديني، وأشهرها قول النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذ(أفتان أنت يا معاذ)، ثم لما بعثه إلى اليمن أوصاه بمحكمات الإسلام وأصوله، والتي تولاها معاذ رضي الله عنه من خلال خطبة الجمعة بشكل مؤكد، ولديكم من النماذج ما يؤكد استمرار هذا الإصلاح، وبالتالي لا يعاب على الدعاة استمرار التعلم، والأخذ بأحسن المسالك والطرق اللفظية والمعنوية والحسية، وهو ما نلاحظه من خلال مسيرة الخطبة والخطباء والدعاة في المملكة العربية السعودية، ومن يهتم بالعلم والمعرفة فهو حري بالتوفيق والسداد.
البعض يرى أن التجاوزات السلوكية التي يرتكبها بعض الرجال ضد نسائهم تلقي بظلال قاتمة على صورة ديننا وتشوه صورته في الغرب؟ وتدفع الغربيين إلى توجيه الاتهامات إليه.. هل تتفق مع هؤلاء؟
- الاتهامات التي يوجهها البعض للإسلام، يجب أن تفهم أولاً هل سببها سلوك بعض المسلمين، وتصرفاتهم، أم أن ذلك شبهة ترد على أصل الإسلام؟! هذا التفصيل لا بد منه عندما نسمع من يتهم الديانات السماوية، فكون النصراني يعتقد عقيدة التثليث، واليهودي يقول عزير ابن الله؛ فلا يعود ذلك بالسلب على الإسلام، والنصرانية، واليهودية، وسلوك الإنسان المسلم الأكمل أن يكون موافقاً مع الشريعة، ولكن الكمال لله وحده، وكتب النقص على بني آدم، وهذا الأمر من أكثر الأمور شيوعاً في عصرنا، وزامنه جهل كبير في البلدان الغربية بحقيقة الإسلام، وقامت حملات الإسلامفوبيا بالكذب الصريح في هذا الاتجاه، وعامة الناس لا يملكون الأدوات المعرفية الكافية لفرز ما يروج عليهم من أخبار وأفكار، سواء في اعتدال الإسلام، وحقوق المرأة، وغيرها مما هو مثار للجدل العقيم، فواجب على المسلمين أن يظهروا بمظهر يليق بدينهم السامي، وألا يكون سلوكهم سبباً في تسويه مفاهيم الدين، وواجب على من الباحثين من غير المسلمين مراعاة أصول البحث المعرفي، والموضوعية عندما يتحدثون، فهناك فرق ولا شك بين الدين والمتدين في كل الديانات.