عبدالله المحيميد
ما إِن يُذكر الداعمون للعمل الخيري من رجال الأعمال والموسرين في المملكة؛ إلا ويأتي من بينهم اسم رجل الأعمال الوجيه الشيخ عبدالله بن صالح العثيم، فقد أصبحت أعماله وإسهاماته في دعم الأعمال الخيرية خير شاهد له على ما ينفقه من أموال وما يبذله من جهد في دعم المشروعات الخيرية في جميع مناطق المملكة، فهو لا يكتفي بالإنفاق والبذل والدعم المادي، وإنما يحرص على مشاركة العاملين في هذا القطاع بالآراء والأفكار وتبادل المقترحات الهادفة إلى تطوير العمل الخيري في المملكة بما يتماشى مع برامج التنمية والاستدامة.
فالشيخ عبدالله العثيم لا يتعامل مع دعم العمل الخيري والإنفاق في أوجه الخير والإحسان من باب المسؤولية الاجتماعية التي تُمليها حسابات رجال الأعمال ومنطق قطاع التجارة والأعمال، فهذه - أي المسؤولية المجتمعية - بالنسبةِ إليه لَهَا أَوجُهٌ مختلفة ومصارف متنوعة تقوم بها الشركات التي يمتلكها، أو يمتلك النسبة الكبرى منها، وإنما هو ينطلق في إنفاقه على أعمال الخير من منظور خيري احتسابي بحت نابع عن يقين وثقة بالله في أن ما يُنفِقُه في أوجه الخير والصدقة والإحسان هو من أهم أسباب زيادة ثروته وتناميها، ففي أكثر من مقابلة أو حوار إعلامي حينما يُسأَل عن ســرّ النمو والقفزات الكبيرة في أعماله وثروته وهل معه شُركاء؟ يجُيب قائلًا: (إنني أُتاجر مع الله، وشُركائي هي البركة التي يطرحها الله في أموالي وأعمالي، ففي مجال الإنفاق على أوجه الخير والإحسان أستحضر دائمًا قول الله تعالى: «وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه»، فأنا مُتيقّنٌ بأن الله سيخلف عليّ ما أنفق، كما اتمثّل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «ما نقص مالٌ مَن صدقة»، فالمال لا ينقُص إذا أنفقت منه في الصدقة وأوجه الخير، بل إنه يتنامى ويزيد ويَتبَارَك)، ومع زيادة حجم الأموال التي يبذلها في أوجه الخير والأعمال الخيرية، والاهتمام الذي يوليه للقطاع الخيري عَمِد إلى إنشاء مؤسسة خيرية مستقلة تحمل اسم: (مؤسسة عبدالله صالح العثيم وأولاده الخيرية) وضخّ فيها المليارات من الريالات، ويشمل إنفاقها وتمتد مصارفها إلى كافة أنحاء المملكة، فتبرعاتها النقدية وصلت إلى أكثر من (600) جمعية خيرية في أنحاء المملكة، ومحافظها الوقفية امتدت إلى جازان والأحساء وحائل والطائف والرياض وغيرها من مدن المملكة ومحافظاتها، مُجسّدًا بذلك الانتماء الصادق والإنفاق الخيري في أبهى صوره وأزهى أشكاله وأعمق معانيه.
وإلى جانب حُبّه للخير والإنفاق والإحسان فقد أكرمه الله بصفات نبيلة هي من سنام مكارم الأخلاق ومحاسنها، فهو يتحلّى بصفة الوفاء والامتنان والعرفان لكل من يعمل معه بإخلاص وتفانٍ، فحينما يتحدث عن المنعطفات المهمة في مسيرته التجارية يذكر بكثير من الوفاء أولئك الذين عملوا معه وقدموا له أفكارًا أحدثت فارقًا في تطوير أعماله ونموها، فهو لا يفتأ يذكر الدور الذي قدّمه موظف كان يعمل معه ونقل نشاطه التجاري إلى أسلوب الـ(ميني ماركت) المنظّم، إذْ يقول: «قيّض الله لنا شخصًا بدأ يعمل معنا وهو الأخ/ زين الدين أحمد عبدالمجيد -رحمه الله- (فلسطيني يحمل الجنسية الأردنية)، ومن باب الاعتراف لأهل الفضل بفضلهم، فإن هذا الرجل نقلنا على مستوى التنظيم والترتيب والعرض إلى مصافّ محلات (الميني ماركت) الراقية والمنظمة».
كما يذكر بمشاعر مُفعمة بالامتنان والتقدير أسماء عدد من الذين عملوا معه، وقدموا في أثناء عملهم أفكارًا وأعمالًا حققت نجاحًا ونموّا في تجارته وأعماله، بل إنه يستعيد بكثير من الامتنان نصيحة أسداها له أحد التجار الذي كان يتعامل معه، فبعد وفاة والده في عام 1400هـ، يذكر الشيخ عبدالله العثيم أنه قرّر ترك العمل في نشاط المواد الغذائية والاتجاه إلى نشاط آخر، لكنه سمع نصيحة من أحد التجار غيّرت تفكيره وجعلته يستمر في هذا النشاط، يقول الشيخ عبدالله العثيم: (بعد وفاة والدي رحمه الله عام 1400هـ، قررت أن أترك العمل في مجال المواد الغذائية وأتجه إلى نشاط آخر، وبدأت أولى الخطوات بتخفيض حجم الأعمال، وعدم طلب بضاعة جديدة، وفي أحد الأيام وبينما أنا جالس في المحل رنّ جرس الهاتف، فرفعت السماعة واستقبلت الاتصال، وإذا به أحد التجار من الدمام وهو العم/سعيد عمر با موسى، وكان اتصاله بغرض السلام والاطمئنان، والسؤال عن سبب التأخر في طلب بضائع جديدة، فأخبرته بعزمي على تصفية المحل أو بيعه وترك هذا النشاط والاتجاه إلى مجال آخر، وما إن سمع كلامي إلا وتحدث معي بشيء من الانزعاج، وترحّم على والدي ونصحني بالاستمرار، وختم كلامه قائلًا: «مهنة أبوك.. لا يغلبوك»، هذه العبارة أيقظت في داخلي ذكرياتي مع الوالد في هذا المحل، واسْتَرجَعت المواقف التي جمعتني معه والنقاشات التي دارت بيني وبينه بشأن الأمور المتعلقة بالمؤسسة ومستقبلها، واسْتَحضرت جهوده في إنشاء المحل ومراحل تطويره، فقررت من تلك اللحظة الاستمرار في هذا المجال، والبناء على ما حققه والدي من قفزات، ورسمت لنفسي هدفًا واضحًا ومحددًا، وهو النجاح في تطوير المؤسسة وأعمالها في هذا المجال).
وهو إلى ذلك رجلٌ مُباركٌ يَسْعَدُ به غيرُه، وتشمل بركتُه أفراد أسرته وعائلته الأحياء منهم والأموات، فقد خصصّ محافظ استثمارية وقفية لوالديه وأبنائه، وزوجاته، وإخوانه وأخواته، وامتدّ خيره إلى العاملين معه فبادر إلى إشراكهم في الأجر والمثوبة، وأطلق محافظ أسهم وقفية تحمل أسماءهم، بل إنه لا ينسى الذين عملوا معه في بدايات تجارته من الوافدين سواء ممن يشغلون وظائف صغيرة أو كبيرة، فبعد تقدمهم في العمر ومغادرتهم إلى بلادهم استمر في تحويل مبالغ شهرية للمحتاجين منهم لمساعدتهم على أعباء الحياة.
ومن الخصال التي يتمتع بها حبّه للأيتام ورأفته بهم والإحسان إليهم والقرب منهم، فهو داعم رئيس لجمعيات الأيتام في أنحاء المملكة، يحرص على حضور مناسباتها ويسعد بمقابلة الأيتام وتبادل الأحاديث معهم، وقد خصص جائزة سنوية للمتميزين منهم، ولعلها الجائزة الوحيدة في المملكة الموجّهة للأيتام، وهي (جائزة العثيم للتميز)، التي تهدف إلى تكريم الأيتام المميّزين وإبرازهم وتحفيزهم للإبـــداع والابتكار.
أما العمل الذي سَيَظلُّ مُرتبطًا بالشيخ عبدالله العثيم ومُلتصقًا باسمه فهو صيغة أو أنموذج (المحافظ الوقفية الاستثمارية)، فالسائد في الأموال الوقفية وتنميتها في القطاع الخيري في المملكة وعند الكثير من المحسنين هي استثمارها في الأنشطة التجارية أو تشغيلها في العقارات وتأجيرها.
لكن الشيخ عبدالله العثيم تبنّى نشر وبِنَاء أنموذج أو صيغة (المحافظ الوقفية الاستثمارية)، وحمِل لواء إشهارها والعمل بها والسعي إلى تعميمها والتوعية بفوائدها والتعريف بجدواها ومزاياها، وارتكزت استراتيجية مؤسسته الخيرية في جانبٍ منها على إطلاق (المحافظ الوقفية الاستثمارية) المتنوعة الأهداف والمجالات، حيث أعلنت المؤسسة خلال السنوات الماضية عن تحبيس منافع أكثر من (60) محفظة وقفية استثمارية في عدة مجالات خيرية متنوعة بقيمة إجمالية تصل إلى المليار ريال، وفي سبيل دعم هذا الأُنموذج أو الصيغة وإشهارها أسهم في تشجيع الهيئة العامة للأوقاف - وهي الجهة المعنية بالأوقاف في المملكة - إلى التوسّع في هذا المسار وأَبرَم معها مذكرة تفاهم لتأسيس وإطلاق أكبر محفظة استثمارية وقفية بقيمة مليار ريال، تهدف إلى دعم الاحتياجات المجتمعية في مختلف المجالات، وتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة للجهات غير الربحية في السعودية. فهو راعي هذا الأنموذج في الوقف الإسلامي بامتياز، فقد عَمِل بدَأَب ودون كلل أو ملل مع مسؤولي الجمعيات الخيرية في أنحاء المملكة للتوجّه إلى هذا الأُنموذج واعتماده في استثمار الأموال الوقفية، وبحكم ارتباط التعامل بالأسهم بالتغيرات في أسواق الأسهم وارتفاع درجة المخاطرة فقد ظل هذا النوع من الاستثمار محل معارضة وممانعة وتحفظ من الكثير من أصحاب الأوقاف والمسؤولين في المؤسسات الوقفية والخيرية، والعاملين في قطاع الأوقاف والنُّظّار وغيرهم، لكن الشيخ عبدالله العثيم برؤيته الاستثمارية وتجربته في استثمار الأموال الخيرية أدرك أن هذه الصيغة تحمل الكثير من المزايا والفوائد، وأن جدواها على المدى البعيد يفوق جدوى النماذج الأخرى، فهي ليست مثل العقار تحتاج إلى صيانة وتتعرض للتقادم وربما تأثرت قيمتها بتقادمها وإهلاكها، فالمحافظ الاستثمارية إذا بُنِيت على الاختيار السليم لأسهم المحفظة القائم على معرفة بالمراكز المالية للشركات ذات الأصول القوية؛ فإن عوائدها مع السنوات ترتفع وقيمتها تزيد بل ربما تضاعفت قيمتها وعوائدها.
يقول الشيخ عبدالله العثيم: (أحمد الله وأشكره فقد وُفّقنا في مؤسسة العثيم الخيرية في تبنّي برنامج واسع وفريد في مجال المحافظ الاستثمارية الوقفية، وتركّز دعمنا وتبرعنا للجمعيات الخيرية بالمحافظ الاستثمارية، وبحمد الله تنوعت المحافظ لدينا وعَقَدْت النيّة الصادقة في إِشْراك الغير في الأجر والمثوبة، فبالإضافة إلى محافظ والدي ووالدتي - رحمهما الله - أطلقنا محافظ استثمارية للأبناء ووالديهم وإخوانهم، ومحافظ للإخوان والأخوات ووالديهم وأبنائهم، ومحافظ للزوجات وأبنائهن ووالديهن، ولم ننسَ شركاءنا وزملاءنا في العمل، وأطلقنا محفظة للقياديين في شركات العثيم، وأيضا محفظة صندوق عائلة العثيم، وخطتنا في المؤسسة الخيرية التوسع في هذا المجال وارتياد آفاق جديدة ونوعية في العمل الخيري بما يتواكب مع التطور الذي تشهده المملكة في الوقت الراهن في القطاع غير الربحي الذي يمثل أهم ركائز التنمية والاستدامة).