د. محمد عبدالله الخازم
هذا المقال يناقش استقلالية الجامعات ومدى تأثرها بالتوجهات الاقتصادية التي تخفي في ثناياها نزعة التحكم والمركزية، وتقليص مساحات التمكين. على مدى ثلاثة عقود أحلل وأكتب عن سياسات التعليم العالي مهتماً بترسيخ هوية الجامعة التي لا تكتمل دون استقلاليتها، مالياً وإدارياً وأكاديمياً وفكرياً. الأمر ليس مجرد رأي، بل تعزيز لتعريف ومعنى ووظيفة الجامعة، وفق الممارسات العالمية والأدبيات المنشورة وما تشير إليه الأنظمة..
الجامعة السعودية، أسست كمؤسسة مستقلة، ديموقراطية التكوين يشرف عليها مجلس أمناء مستقل (أول جامعة أسست عام 1957م) حتى جاءت وزارة التعليم العالي (1975م) لتكرس توحيد الأنظمة وتعزيز إدارة الجامعات مركزياً. لم يخل الأمر من انفراجات، كإعادة التعليم الجامعي الأهلي - الذي بدأ عام 1967م وألغي عام 1974م وأعيد عام 1999م - واستقلالية جامعات الملك عبدالله، الملك فهد، الملك سعود، وغيرها. أثبتت الجامعات الخارجة من عباءة المركزية تميزها ولم تسبب القلق، في الوقت الذي استمرت معاناة الجامعات الحكومية الأخرى بفعل التعامل معها مركزياً كإدارات وليس مؤسسات مستقلة..
راودنا الأمل في العودة إلى بدايات التأسيس عندما حوى نظام الجامعات (2019م) تأسيس مجالس أمناء لها. للأسف لم تطبق وما أسس منها لم يُمكن، بسبب - وللآخرين حق مخالفة هذا الرأي- تعارض ذلك مع السلوكيات الفردية للإدارة المركزية وسيطرة فكر إدارة الموارد البشرية، الذي يعظم قضايا صغيرة لتصبح (جبالاً إدارية) مثل آلية اختيار الأعضاء، مكافأة الأعضاء ... إلخ.
كانت المركزية تطل علينا من الباب الفكري (شرحها كتابي، اختراق البرج العاجي (2011م، الذي منح جائزة وطنية كأفضل كتاب في التعليم حينها)، والآن تطل علينا من الباب الاقتصادي الشمولي. وتحديداً النظرة التي تختصر الاقتصاد/ التطوير في مفهومي الحوكمة - رديفة المركزية - وتقليص الأعباء الإدارية وربما التخفيض المالي المؤقت أو الظاهري. أبسط أمثلته فكرة إيجاد شركة وطنية واحدة تدير الصيانة أو المستشفيات أو التقنية أو الاستثمار في الجامعات، سيراً على غرار شركة صحية وطنية وشركة تعليمية واحدة..
هذا فكر مالي يناسب القطاع الربحي/ التجاري/ الصناعي ويتجاهل مبادئ الاقتصاد الحر التي تعارض الاحتكار والمركزية. هو لا يهتم بالأثر التنموي والاجتماعي والثقافي والإداري، وإنما يعزِّز المركزية ويقلِّص الاستقلالية والتنوّع والتنافسية والإنتاجية، كما يقلِّص أدوار الجامعة في التنمية المحلية. بمعنى آخر، الاقتصاد أثر وأبعاد تنموية وفكرية وثقافية تراعي طبيعة وتركيبة المؤسسات، وليس مجرد حوكمة وترشيد/ توفير بعض المصاريف الإدارية. وبالنسبة للجامعات، يجب أن لا يقلّص من مساحة استقلالية الجامعة بكافة أشكالها المالية، الفكرية، الأكاديمية، التنموية ...إلخ.
الجامعة مؤسسة إبداع مسؤولة عن تطوير تجاربها الإدارية وعملياتها وممارسات قياداتها وقطاعاتها المختلفة، باعتبارها المخزون الوطني الأهم للقيادات والتجارب التي تغذّي مختلف مؤسسات الدولة. اقتصاديات الجامعة ليست مجرد إدارة للمال والموارد البشرية، بل أثر تنموي، فكري، تعليمي، اقتصادي، إداري ...إلخ.
القاعدة هي التمكين ولا تمكين بدون استقلالية تامة وتنافسية. تحديداً، هذا الفكر الاقتصادي المهموم بفكرة أو فكرتين ضيقتين مثل الحكومة وتوحيد الإجراءات، يتعارض مع التمكين والاستقلالية.
لا ننكر الصعوبات لدى بعض الجامعات لكن ذلك ليس مدعاة لتجريدها استقلاليتها وتنمية الاتكالية لدى قياداتها عبر اعتمادها على الإدارة المركزية.
علينا تطوير الإبداع والتحدي عبر تعزيز التنافسية وقبول تمايز الأداء، لا البحث عن المساواة. وإن أردنا المساعدة فليكن عبر غرفة دعم ومساندة وتبادل خبرات وليس التحكم والتوجيه.
ختاماً، كلمة لمسؤولي التعليم/ مجلس شؤون الجامعات؛ ليست مسؤوليتكم إدارة الجامعات وضبط مصاريفها وإدارة مدرائها.. مسؤوليتكم تشريعية/ تنظيمية فقط!