منذُ أربعين عاماً تقريباً دعا النادي الأدبي في الرياض إلى محاضرة عن معوقات اللغة العربية للدكتور كمال محمد بشر، وذلك في قاعة النادي في مقره القديم الواقع على شارع الأحساء، وهي محاضرة كانت على هامش المؤتمر الذي دعت إليه جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ممثلةً في معهد تعليم اللغة العربية بالرياض.
كانت المحاضرة رتيبة خالية من عناصر الجدة والإثارة؛ إلا أنها انتهت بمعركة حامية الوطيس، شنها الأديب عبد الله نور على سعادة المحاضر، انتهت بمحاولةِ لم توفق للإصلاح بين الطرفين من قِبَل الجهة المنظمة وهي إدارة المعهد الممثل للجامعة.
أخذ المحاضر يعدد العوائق التي أدت إلى ضعف اللغة العربية، فذكر منها كثرة الأخطاء الإملائية والنحوية في الكتابات الصحفية وكذلك كثرة الأخطاء المطبعية.. إلى غير ذلك من المعوقات الشكلية التي لا يرقى سردها إلى مستوى الحضور الذين كانوا ينتظرون من المحاضر أن يتناول المعوقات الفكرية والاجتماعية والسياسية مما هو جدير بالدكتور المحاضر، وهو العضو في مجمع اللغة العربية في القاهرة وصاحب المؤلفات والبحوث والمحاضرات الجادة والعميقة في موضوعات اللغة العربية ومعوقاتها وسبل علاجها، لكنْ كان يبدو أن تواضع المكان وقلة الحضور لكون الحضور نخبوياً كما هي العادة في الأندية الأدبية، قد أثّر على جو المحاضر، ولم يدرِ أنه أمام حضور كرام كما قال الشاعر:
تعيرنا أنا قليل عديدنا
فقلت لها إن الكرام قليلُ
وحضورٍ لا تعنيهم المظاهر والألقاب، متقشفين إلا من روح المعاني وأدب المعالي، زاهدين إلا في النهل من بحور العلم والفكر، سمعيين كأسلافهم ليس لهم من الترفيه إلا ما أمتع أسماعهم من بليغ القول، وما أصاب من الكناية مقاتل الكلام.
تقبَّل الحضور - على أية حال - رتابة المحاضرة بهدوء وصمت، لكنَّ هذا الهدوء والصمت كانت تتخلله نسمات حارة وزفير ينذر ببركان سيثور كبركان فيزوفَ إذ يزفر، كتعبيرٍ عن استياءٍ شديدٍ لطرح المحاضر من قِبَل عبد الله نور الذي كان يجلس في المقعد الذي أمامي، حين لفت انتباهي وهو يتلفّت يميناً وشمالاً ويقول: (أفّ أفّ)!
وما هي إلا لحظات وانتهت المحاضرة ثم بدأت الأسئلة كالعادة: الجمهور يسأل والمحاضر يجيب، حتى رفع عبد الله نور يده مطالباً بالمداخلة. عندها قام من كرسيه ولم يكتفِ بأن يداخل في مكانه وتوجه لدرجات المسرح، فقال له مدير المحاضرة وهو رئيس النادي الأدبي الشيخ عبد الله بن إدريس - وكان بجانب المحاضر: أعندك سؤال يا عبد الله أم مداخلة؟ قال: عندي سؤال غاضب! قالها بصوت خفيضٍ لم يسمعْه ابن إدريس الذي أخذ يعرّف المحاضر بالأديب عبد الله نور ريثما يصل إلى المنصة، ويقول: هذا من كبار الأدباء والنقاد في المملكة، والمحاضر يبتسم بسرور، ابتسامةَ من لا يدري عن عاقبة الأمور!
اعتلى عبد الله نور المنصة، وجلس في الكرسي الأوسط الذي بين عبد الله ابن إدريس والدكتور المحاضر، ودنا من لاقطة الصوت، وأزاح شماغه وطاقيته عن ناصيته ووضع عقاله على هامته. ثم قال: يؤسفني أنني تركت الليلة الجلوس في بيتي مع أبنائي وأتيت لأحضر محاضرة بهذا المستوى الذي لا يليق بي وأنا خريج المرحلة الثانوية فقط، فكيف ببقية الحضور من الدكاترة والمفكرين والباحثين الكبار؟ ومنهم شيخي وأستاذي الشيخ حمد الجاسر علامة الجزيرة وعضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة.. إلى أن قال: بل لم يتوقف الأمر بالمحاضر عند هذا الحد حتى أخذ يشير بأصبعه، يستحث هؤلاء الكبار بإكمال الجواب وكأنهم طلاب صغار تحت يديه. ويتابع عبد الله نور: قيل لعبد الملك بن مروان وكان لا يلحن: شبت يا أمير المؤمنين قال شيبني صعود المنابر وتوقّع اللحن! ومحاضرنا هذه الليلة ليس فيه شعرة شيب، وقد لحن في كلامه وتكلم أحياناً بالعامية المصرية الدارجة.. إلخ ما قال. والشيخ ابن إدريس في هذه الأثناء متذرع بحلمه واثق ثقة المؤمن بحرية التعبير حتى أنهى عبد الله نور مداخلته الغاضبة فأعطى ابن إدريس الدور للمحاضر لكي يرد عليه. فقال المحاضر: أما أنا فليس لدي تعليق على كلام هذا الرجل. فأحال مدير المحاضرة الشيخ ابن إدريس التعليق للحضور.
فقام أحد الإخوة المصريين وكان طبيباً غير متخصص في اللغة ولكنه أراد أن يلطّف الجو فأخذ اللاقطة وقال: بص يا أستاذ عبد الله أنا رأسي كله شيب - يقصد انه أكثر شيباً من عبد الملك بن مروان الذي كان يتوقع اللحن - لكيلا تقول إنني لا أهتم باللحن ولكن سأقول كلمة (اصغنّونة) ولا تؤاخذني على هذه الكلمة التي لحنت فيها - لأنه كان يحسب اللحن أنه النطق باللهجة العامية -... ثم أخذ يدافع عن المحاضر بطريقة مرحة، وعبد الله نور يضحك ويشير إليه بالقبول، ولسان حاله يقول (ما عليك شرهة)، واختلط الجد بالهزل والضحك بالغضب وكانت ليلة ليلاء حتى انبرى لها ابنُ بَجْدتها وجُذيعُها المحكّك وعُذيقها المرجّب الدكتور محمد بن عبد الرحمن المفدّى رئيس قسم النحو والصرف بكلية اللغة العربية بالرياض الذي اكتفى مدير الجلسة بتعليقه.
طلب الدكتور المفدّى إعطاءه الكلمة فصعِد المنصة وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: لقد فوجئت في الحقيقة كما فوجئ أخي عبد الله نور بما لاحظه على المحاضر الكريم، وإنني لا ألومه على هذه الغضبة المضرية، ولكنني لست معه في الأسلوب الذي عبر به عن ملاحظته مما لا يليق بمكانة الدكتور؛ لأن الدكتور كمال بشر من رجال اللغة المعتبرين وله جهوده العظيمة في خدمة اللغة العربية ولا يغض من قيمته ومنزلته ما لاحظته أنا أو لاحظه غيري في محاضرة الليلة ..إلخ ما قال.
بعد كلمة المفدّى سكت عن عبد الله نور الغضب وقام ليعتذر من الدكتور كمال بشر خاصةً بعد ما سمع من عتب الدكتور المفدى عليه في الأسلوب الذي خاطب به المحاضر، لكن المحاضر لم يقبل اعتذاره وقال: ولكني لم ألحن! وكأنّ هذا كان إقراراً منه بالملاحظات الأخرى. قال: بل لحنتَ في البدل. فصخب الجو مرةً ثانية، وخرج عبد الله نور من القاعة ووقف عند بابها الخارجي، ولحق به الدكتور عبد الله الحامد مدير المعهد المستضيف متوسّلاً إليه ومحاولاً من عبد الله نور أن يرجع ثانية ويعتذر، فرجع واعتذر فقال الدكتور: ولكني لم أخطئ في البدل! قال: بل أخطأتَ خمس عشرة خطأً، والمحاضرة مسجلة في الفيديو، ولكن أنا الغلطان حين قبلت الاعتذار منك.
ويبدو أن عبد الله نور كان شديداً في التدقيق عليه وأنا لم أنتبه لشيء من هذا الخطأ وربما كان مما يسوغ فيه وجه إعرابي آخر يراه الدكتور كمال بشر، لكن الدكتور المفدى حجة في هذا الأمر، وغايةٌ في الانتباه، ولو كان على ما زعمه كمال بشر من نفيه اللحن عن نفسه لدافع عنه المفدّى.
لقد حاول البعض أن ينهي هذا الخلاف بالود والاحترام والاعتذار، ولكنَّ شيئاً من ذلك لم يكن، فقد انقطع تيار الحوار لزياد الأحمال ولم يُفِد الاعتذار، في حين أن البعض لم يكن مستاءً من ذلك وكان لسان حالهم يقول إن الأمر طبيعي في مثل هذه المصاولات والمجاولات الفكرية والأدبية ومنهم الدكتور إبراهيم الفوزان الذي قال بالحرف الواحد: (هذا اللي نبي). وأنا وأمثالي ممن هم في سن الشباب ذلك الوقت نحب الإثارة ولا نفكر فيما يفكر فيه الكبار من عواقب الأمور، لذا كنا نتابع الحدث كما يتابع الصحفيون أحداث المعركة تحت القصف فنلحق ساعةً بعبد الله نور إذا خرج من الصالة لنرى ما يفعل ونسمع ما يقول ثم نتبعه إلى القاعة مرةً ثانية إذا أخذ بيده مدير المعهد ليعتذر، ونسبقهم هناك لنرى اعتذار الدكتور. وهكذا كانت تلك الليلة عجباً! حتى انتهت أحداث تلك المسرحية إلى غير وفاق.
مثل هذه المواقف التي كانت في السابق من المحرجات، صارت بمرور الزمن من طرائف الذكريات، كما أن ذكرها لا يضع شريفاً ولا يرفع وضيعاً، وإنما تذكر في باب المُلح والمستظرفات. رحم الله الأحياء والأموات.
جرت أحداث هذه المعركة اللغوية في عام 1406هـ في مقر النادي الأدبي القديم، الصغير في مبناه، الكبير في أدائه ومعناه، المطل على شارع الأحساء، يستنهض الشارع صباح مساء، وفي قاعته المتواضعة في غَماها، المرتفعة في ذكراها.
دخل ذات ليلة من بابها الخلفي الشيخ حمد الجاسر في ليلة شاتية وعليه بشت الوبر المتواضع لا يريد أن يعلم به أحد؛ لأن المحاضرة قد بدأت ولا يريد الشيخ التشويش على جو المحاضرة، وجلس في الكرسي الذي خلفي لأنني كنت في الصف الأخير ليس ورائي أحد، فالتفتُّ إليه فوضع أصبعه على أنفه وفمه أي لا تحرك ساكناً، فاستجبت لرغبته حتى أنني لم أقابله بالتحية احتراماً لأمره! لكن القاعة بمن فيها أصبحوا يتلفتون ويتهامسون: الشيخ! الشيخ! حتى انتبه الجميع وقاموا وسلموا عليه وأجلسوه في المقعد الأمامي. أما أنا فلم أسلم عليه؛ منعني في البداية الحياء، وفي النهاية إحاطة الجمّاء. ولما طُلب منه التعليق على المحاضرة قال بطريقة فيها ظُرْف وطرافة: شهادتي للمحاضر مجروحة؛ لأنه ابن عمي، وكان المحاضر حمزة المزيني.
ومن طرائف تلك القاعة، أنه أقيم فيها محاضرة بعنوان (إشكالية اللغة) وبعد الانتهاء من المحاضرة بُسط (السماط) في آخر القاعة ودُعي الجميع للعشاء، فتأخر الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل حتى إذا جاء لم يجد له مكاناً على (السماط)، فقال باللهجة المحلية: ما حلّيتوا إشكالية السماط حتى تحلون إشكالية اللغة. فالتقط الشاعر محمد بن جبر الحربي هذه الطرفة، وكتب عنها خبراً في مجلة اليمامة بعنوان (إشكالية السماط).
وفي ليلة من ليالي القاعة، تضوعت بخوراً في أرجائها، وأديرت الشاذلية احتفاءً بأميرها، وذلك في أمسية شعرية ثنائية، للشاعرين صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، وصاحب السعادة الدكتور عبد الرحمن بن صالح العشماوي، وكان الحضور كثيراً على غير العادة. ومن عجب أنها أمسية تواءم فيها الشعر النبطي مع الشعر الفصيح لأول مرة، بخطةٍ أسرَّ بها الشاعر الأمير للشاعر الدكتور، قبل بداية الأمسية أدت إلى انسجام هذين النوعين من الشعر في الشكل والمضمون.
** **
- عبد المحسن بن إبراهيم اللعبون