عايض بن خالد المطيري
مع بداية كل صيف، تشهد بعض المناطق في المملكة العربية السعودية تقلبات جوية غير مستقرة، يتزامن معها اندلاع حرائق في المناطق العشبية، ومن أبرزها ما حدث في المنطقة الجنوبية وفي منطقة الدبدبة الصحراوية بالصمان نتيجة الصواعق الرعدية والبرق، وهي من الظواهر الطبيعية التي تزداد خلال مواسم الانتقال المناخي.
هذه الحرائق، وإن بدت موسمية، إلا أنها تدق ناقوس الخطر بشأن مصير الأعشاب البرية الجافة، التي باتت مهددة بالنيران، سواء بسبب التقلبات الجوية أو نتيجة للعبث البشري، ما قد يؤدي إلى فقدان مخزون بذري مهم ويمثل تهديدًا مباشرًا للتنوع البيولوجي في تلك المناطق.
على ضوء هذه الظروف، تنظر بعض الجهات إلى فتح المحميات للرعي كخيار لتقليل كثافة الأعشاب الجافة والحد من مخاطر الحرائق. غير أن هذا الطرح يقابله هاجس كبير يتمثل في تعريض الحياة الفطرية للخطر، لا سيما مع تزايد الاعتداءات غير النظامية من بعض أصحاب المواشي الذين يتجاوزون الحدود دون مراعاة للأنظمة أو للمصالح البيئية.
ومن جهة أخرى، لا يمكن إنكار الدور الإيجابي الذي قد تؤديه المواشي أحيانًا في ديمومة الغطاء النباتي، من خلال فرط البذور ودفنها خلال عملية الرعي، فضلًا عن أن مخلفاتها تُعد سمادًا طبيعيًا يعزز نمو النباتات البرية في المواسم التالية. إلا أن هذا الأثر الإيجابي لا يتحقق إلا عند تنظيم عمليات الرعي ودمجها ضمن خطط مدروسة بيئيًا، تراعي التوازن بين الاستفادة من الموارد الطبيعية وحمايتها في آنٍ واحد.
في هذا السياق، تبرز جملة من الحلول العملية المبدئية والعاجلة التي يمكن تبنيها لتفادي وقوع مثل هذه الحرائق الكارثية الواسعة.
أولى هذه الحلول تتعلق بفتح بعض المناطق للرعي الموسمي وفق ضوابط محددة، بعد أن تكون الأعشاب قد أكملت دورة حياتها وطرحت بذورها في التربة. كما نُوصي بإنشاء فواصل استراتيجية بين المساحات العشبية باستخدام المحاريث أو القريدرات، على هيئة مربعات أو قطاعات متباعدة، بهدف منع انتشار الحرائق في حال نشوبها في جزء معين من المنطقة.
إضافة إلى ذلك، يُقترح أيضًا دراسة جدوى التدخل الآلي لجمع بذور الأعشاب الجافة بواسطة معدات خاصة، ثم نثر هذه البذور بشكل منظم مع هطول الأمطار، في نفس المواقع أو في مناطق صحراوية أخرى مستهدفة، مما يضمن استمرارية الغطاء النباتي دون الاعتماد الكامل على التجدد الطبيعي، الذي قد يتأثر بتغيرات المناخ أو الكوارث المفاجئة. ويمكن لجهات الاختصاص، بالتعاون مع الجامعات ومراكز الأبحاث البيئية، تطوير آليات وتقنيات محلية تناسب طبيعة الصحراء السعودية وتسهم في الحفاظ على مواردها الحيوية.
لا شك أن الجهود التي بُذلت على مدار سنوات في حماية التنوع البيئي في المحميات الصحراوية ضخمة، ولا ينبغي أن تُترك رهينة للظروف المناخية أو الاجتهادات الشخصية. فالتوازن بين التنمية البيئية والاستفادة الرعوية ممكن، بشرط أن يكون قائمًا على المعرفة والخطط العلمية المدروسة.
لهذا، تبقى الرسالة الأهم أن الحفاظ على البيئة مسؤولية مشتركة، تتطلب تنسيقًا محكمًا بين الجهات المعنية وأفراد المجتمع، وتستدعي التخطيط المسبق أكثر من الاستجابة المتأخرة. وإذا كنا قد استثمرنا سنوات في بناء غطاء نباتي يحمي الحياة الفطرية ويعيد التوازن البيئي، فلا يجوز أن نترك هذا الجهد عرضةً للضياع في لحظة إهمال أو تقصير. فالبيئة أمانة، والحفاظ عليها واجب وطني وأخلاقي لا يحتمل التأجيل.