منصور بن صالح العُمري
جاءني أحد أبنائي الأيتام ذوي الظروف الخاصة ذات يوم، يحمل في قلبه هماً بحجم الجبال، وقد تحشرجت الكلمات على شفتيه حتى خرج صوته مرتجفًا:
«من أنا؟ وهل عليّ إثم فيما أنا فيه؟»
فأخذته إلى صدري، وربتُّ على كتفه كأبٍ حنون، ثم قلت له بصوتٍ يملؤه اليقين:
«أنت من أكرمك الله... أنت من أكرمك الله... أنت من أكرمك الله».
فرفع رأسه إليّ بعينين غارقتين في الدهشة وكأنهما تقولان: وكيف ذاك؟
فابتسمت إليه وقلت:
- يا بني، ألست إنسانًا من بني آدم؟ والله جلّ جلاله يقول: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70].
- ألست مسلمًا تشهد ألا إله إلا الله؟ وقد قال سبحانه: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].
- أما ولدت في هذا الوطن الطيب المبارك، فأخذت هويته، وتساويت مع سائر أبنائه في الحقوق والفرص؟
لقد نشأتَ في ظلّ رعايةٍ أحاطتك بعين العطف منذ نعومة أظفارك، فكان لك المأوى المهيأ، والعيش الكريم، والرعاية التربوية الرحيمة. ثم التحقت بالمدارس والجامعات، فُفتحت لك أبواب العلم كما فُتحت لأقرانك، وتبقى ميزة التفاضل بينك وبين الناس بيدك أنت: بالكفاءة والجد والاجتهاد. وحتى في بناء أسرتك، وجدت من يعينك ويشاركك في تحمل تكاليف الزواج.
أما الذنب الذي أثقل قلبك، فاعلم يا بني أن الله أرحم بك من نفسك، وقد قال سبحانه: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]، فكيف تُؤاخذ على ما لم تقترفه يداك؟ بل ولدت على الفطرة الطاهرة، كما قال الحبيب المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: «كل مولود يولد على الفطرة» [متفق عليه].وخرجت من الظلمات إلى النور.
ثم ألم تسمع حديثه العظيم حين جاءت المرأة التائبة تحمل طفلها، فقال -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: «من يكفل هذا، فهو رفيقي في الجنة». [رواه مسلم].
فإذا كانت كفالتك سببًا لمرافقة النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- في الجنة، أفَيكون وجودك ذنبًا عليك أو عارًا منك؟ حاشا لله.
واسمع قول ربك الجليل: {فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [الأحزاب:5]، فأنت أخ كريم في دين الله، ومن جعله الله أخًا في الدين فلن يمنعه أحد من هذا المقام.
يا بني، إن امتحانك عسير تهتز له الجبال، لكونك تعيش بلا أبوين، ولا إخوة ولا أسرة، لكن من خلقك لن يضيعك وما قدَّر عليك كتبه لتسمو به، فإن رضيت بما كتب الله لك، وأيقنت أن وراء كل محنةٍ منحة، عشتَ ممتلئ القلب بطمأنينة الرضا، حتى يكون ختام مسيرتك سرورًا ورفعةً ورضوانًا.
واعلم يقينًا أن مقامك لا يُقاس بغياب أبٍ أو أم، وإنما يُقاس بما تزرع بيديك من عملٍ صالح، وما تحمل في قلبك من تقوى. فإن أحسنت، كنت خيرًا من كثيرٍ ممن أحاطتهم الأسر ولم يُحسنوا لأنفسهم. المهم يا بني: كيف يراك خالقك، لا كيف يراك الخلق.