نجلاء العتيبي
كيف نتطوَّر إذا لم نُحسِّن أدواتنا، نُطوِّر مهاراتنا، ونُعيد النظر في طرائق فهمنا وعملنا؟
خوضُ الحياة بعقلٍ لا يعي نقاط ضعفه يُشبه الإبحار في سفينةٍ بلا مجاديفَ وسط أمواجٍ عاتيةٍ لا ترحم.
الطموح وحده لا يكفي؛ إذ يجب أن يسبقه إعدادٌ حقيقيٌّ، وتعلُّمٌ يواكب التحديات.
الأحلام سهلة، أما تحقيقها فيتطلَّب امتلاك العُدَّة المناسبة؛ فالنجاح ليس قدرًا يولد معنا، ولا الفطرة تهبنا إجابات جاهزة تدوم مدى الحياة.
نصل إلى النضج عبر تجربة واعية، وبحث مستمر، ومحاولة تتبعها أخرى، ونقد دائم لما نعرفه ونمارسه.
تشير أبحاث د. كارول دويك إلى أن عقلية النمو التي تؤمن بإمكانية تطوير القدرات بالجهد والمثابرة تُؤدِّي إلى نجاح أكبر، وتحمل أفضل للفشل.
النجاح الحقيقي يُبنى تدريجيًّا عبر مراجعة الأداء، وتطوير المهارات بشكل مستمر، وليس بالاعتماد على موهبة فطرية أو نتائج فورية.
كما تُؤكِّد دراساتُ علم الأعصاب على قدرة الدماغ على التكيُّف والتغير المستمر عبر ما يُعرَف باللدونة الدماغية؛ ما يتيح التعلُّم والنمو مدى الحياة.
هذه النتائج تدعم أن التقدُّم يحتاج إلى صبر واجتهاد مستمر، مع اعتبار الأخطاء والتحديات فرصًا للتعلُّم والتطوُّر، تمامًا كما يوضح نصنا.
فالعقل الذي لا يُغذَّى بالمعرفة يذبُلُ، والروح التي لا تخوضُ التجربة تظلُّ ضعيفة.
تعلَّمت من محطات عديدة في حياتي أن المراجعة الصادقة للذات هي البداية الحقيقية لأيِّ تقدُّم.
كثير من العقبات التي ظننتها صعبة، كانت في الواقع قصورًا في البحث أو غيابًا للأدوات المناسبة.
عندما بدأت أفهم ما ينقصني من تجديد المعلومات، تغيَّرت رؤيتي، وتحوَّلت الصعاب إلى تحدياتٍ قابلةٍ للتعامل معها.
لم تكن المشكلة في وعورة الطريق، بل في اكتساب فنِّ المشي عليه.
كنت أتوقَّف عند مفترقات الطريق؛ لطلب معرفة أوسع، حتى انكشف لي المسار، فازدادت قوتي، وتنامت ثقتي بخطاي.
الأدوات التي نعتمد عليها لا تُشترى ولا تُمنَح، بل تُكتسَب بالمثابرة والانضباط: طريقة التفكير، ضبط الانفعال، قوة التحمُّل، والتمييز بين ما يُطلب منا وما نحتاجه فعلًا.
غالبًا ما نُحمِّل الظروفَ مسؤوليةَ الفشل، في حين تكمُنُ المشكلة في نقص الاستعداد.
نطمح لنتائجَ كبيرةٍ دون بناء أساس صلب، أو التزام بتمرين مستمر وتطوير واعٍ.
التحسُّن ليس أمنية زمنية، بل مسار تصحيح مُتدرِّج.
الرغبة الصادقة تحتاج إلى عقل يقبل التدرُّج، ويدرك أن كل خطوة تُبنَى على التي قبلها.
التقدُّم لا يأتي دفعة واحدة، بل يتسلَّل مثل الضوء في آخر الليل، ببطء منتظم لطرد الظلام.
السؤال الجوهري: هل نملك صبر دفع ثمن التقدُّم، أم نرغب في نتائجه دون المرور بمشاقِّهِ؟
الإجابة تُحدِّد المسار: لا إصلاح خارجيا دون عمل داخلي، ولا نضج في القول دون وعي في السمع، ولا نجاح دون أدوات راسخة.
لا يُهزَم الإنسان عند أول فشلٍ، بل عندما يغلق باب التعلُّم.
كل تجربة يُراجعها الإنسان تصنع نضجًا، وكل خطأ يُفهم يتحوَّل إلى نقطة انطلاق.
هكذا يصبح التطوُّر واجبًا لا ترفًا، والتحسُّن ضرورةً لا خيارًا، والتقدُّم حصة مَن اجتهد، لا أمنية مَن تمنَّى.
ضوء
«النمو الحقيقي يبدأ عندما نُدرك أننا لا نزال لا نعرف». -سي. إس. لويس.