فايز بن سلمان الحمدي
في أجواءٍ مهيبةٍ تتعانق فيها أرواح الحاضرين مع أنفاس الحرم المكي الشريف، وفي حضرة البيت العتيق الذي تهفو إليه قلوب المؤمنين من كل فجٍّ عميق، تتلألأ مسابقة الملك عبد العزيز الدولية لحفظ القرآن الكريم وتلاوته وتفسيره، في دورتها الخامسة والأربعين، كدرّةٍ مضيئة في تاج المملكة العربية السعودية، وكمنارةٍ تهدي السائرين على درب الهداية والنور. هذه المسابقة، التي أضحت مَعْلَمًا عالميًّا وملتقى قرآنيًّا يضمُّ صفوة حفاظ كتاب الله من شتى أصقاع الأرض، ليست مجرد فعالية موسمية، بل هي تجلٍّ من تجليات العناية الربانية التي أولتها قيادة المملكة -حرسها الله- لكتاب الله تعالى، في طباعةٍ ونشرٍ وعنايةٍ وحفظٍ، وفي إقامة المسابقات التي تستنهض همم الناشئة وتحفزهم على التسابق إلى معالي الفضل.
وفي قلب هذا العرس القرآني، يبرز اسم معالي وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، الشيخ الدكتور عبد اللطيف بن عبد العزيز آل الشيخ، قائدًا بحكمة، وعاملًا بصمت، وموجهًا بحسٍّ إيماني عميق، ليس دوره في هذه المسابقة دور المشرف الإداري فحسب، بل هو دور المربّي الذي يرى في كل حافظٍ للقرآن مشروعَ عالمٍ ربّاني، وفي كل قارئٍ متقنٍ لبابًا من أبواب الخير المشرعة على الأمة. لقد أدرك معاليه أن المسابقة ليست غايةً في ذاتها، بل وسيلةٌ لتربية النفوس على مائدة القرآن، وأن الفائز الحقيقي هو ذاك الذي يخرج من الحرم المكي وقلبه أوعى، ولسانه أندى، وعقله أنقى، ومن هنا وجّه برعايةٍ متكاملة لم تقتصر على التنظيم الدقيق والإدارة المتميزة، بل امتدت لتشمل حسن الضيافة، وتهيئة أجواء روحية تليق بقدسية المكان والمناسبة.
وتحت رعايته تحوّلت المسابقة إلى منصةٍ عالمية تُظهر وجه المملكة المشرق في خدمة الإسلام ونشر الوسطية والاعتدال، فهي ليست مجرد منافسة في الحفظ والتلاوة، بل لقاء حضاري تتلاقى فيه ثقافات الشعوب على مائدة القرآن، في أبهى صورة للتآخي الإيماني الذي يتجاوز الحدود والألوان واللغات. وقد أولى معاليه عنايةً خاصة بالخطاب القرآني الموجه للمشاركين والمرافقين، مؤكّدًا على ضرورة أن يكون حافظ القرآن قدوةً في سلوكه وأدبه قبل أن يكون متميّزًا في إتقانه، وهكذا غدت المسابقة بفضل رؤيته مدرسةً أخلاقيةً راقية، تخرّج السفراء الحقيقيين للقرآن. وليس هذا الجهد وليد اللحظة، بل هو امتداد لنهج المملكة منذ عهد المؤسس الملك عبد العزيز – رحمه الله – في خدمة كتاب الله، وهو إرث واصلته القيادة الرشيدة، وأعطاه معالي الدكتور آل الشيخ بُعدًا مؤسسيًّا، يضمن استمراره وتطويره جيلاً بعد جيل. ولعل أجمل ما في هذه المسابقة أنها تقام في أقدس بقاع الأرض، حيث يجتمع الحافظون بين يدي الكعبة المشرفة، ليصدحوا بآيات الذكر الحكيم، في مشهدٍ يذكّر بيوم العرض الأكبر، حين يُنادى على كل امرئ بما قدّم وأخّر.
والمتأمل في هذه الجهود يدرك أن خدمة القرآن الكريم ليست وظيفةً إدارية، ولا مهمةً موسمية، بل هي رسالة عمر، وشرفٌ يُسأل عنه المرء بين يدي الله، وقد حمل معالي الدكتور عبد اللطيف آل الشيخ هذه الرسالة بجدارة، فكان جنديًّا من جنود القرآن، يسير بها من رعاية الحروف إلى رعاية القلوب، ومن تنظيم المسابقة إلى صناعة الأثر، ليظلّ القرآن في هذه البلاد الطيبة منارةً تهدي، ونورًا لا يخبو.