د. محمد بن أحمد غروي
لم يعد الحديث عن «السمعة المؤسسية» في الشأن العام ترفًا فكريًا أو انشغالًا ثانويًا بالعلاقات العامة، بل تحولت في الدول المتقدمة إلى أصل سيادي غير ملموس، تتقاطع فيه السياسة والاقتصاد، وتُقاس من خلاله متانة أداء الجهات الحكومية، ومدى اتساق خطابها مع واقعها، وقدرتها على امتصاص التحديات قبل تحولها إلى أزمات.
وفي ظل بيئة دولية تتسم بتسارع الإعلام الرقمي، وتفاقم الرقابة المجتمعية، وتمدد أدوات التأويل السياسي، باتت «السمعة الحكومية» جزءًا لا يتجزأ من هندسة الاستقرار الوطني، وشريكًا حقيقيًا في ترسيخ النمو المُستدام، وهذا الإدراك العميق لم يكن غريبًا على عدد من التجارب الآسيوية لدى «دول الآسيان»، التي أدركت منذ سنوات أن مواجهة الأزمات لا تتم فقط عبر الآليات الفنية، بل أيضًا من خلال الاستثمار الاستراتيجي في «الرصيد المعنوي»، فالتجربة السنغافورية الحكومية، على سبيل المثال لا الحصر، اعتمدت على بناء ثقة مستدامة مع المجتمع من خلال الشفافية اليومية، الرد اللحظي على المخاوف وتقديم السياسات بجلاء قبل أن تتراكم فجوة التفسير، وهذا يُعرف بـ«الوقاية الرمزية».
و»الوقاية الرمزية» تقوم على بناء رصيد معنوي وقيمي استباقي لدى المجتمع، يمنح المؤسسة مصداقية وثقة قبل وقوع الأزمات، ويُمكّنها من امتصاص الصدمة حين تحدث، ولا يعني ذلك تفادي الخطأ، بل إن يكون لدى الجهة مناعة مبنية على احترام متبادل مع الجمهور، تجعلها أكثر قدرة على تجاوز المواقف الحرجة دون خسائر في الثقة والمصداقية.
هذا الفهم العميق لخطورة الانكشاف الاتصالي، تجسّد مؤخرًا في تقرير استشاري قدّم إطارًا استراتيجيًا لإدارة السمعة الاتصالية في القطاعات الحكومية بالمملكة، أعدّته Unikom Insights، الساعية إلى تقديم (رؤى تحليلية سعودية) متعمقة، مُقدمة تصورًا متماسكًا، لإدارة السمعة بوصفها وظيفة سيادية تتجاوز التعامل الإعلامي التقليدي، وتقترح حوكمة متكاملة للانطباع العام، تقوم على الرصد، السرد، الشفافية والتنسيق المؤسسي الملزم.
وفي سياق التقرير، تظهر توصية إجرائية مهمة، بتأسيس مجلس وطني لإدارة السمعة، لا بوصفه جهازًا تنسيقيًا فقط، بل كمنصة سيادية لحماية الثقة المجتمعية، وصيانة الرواية الوطنية، وضمان جاهزية الجهات الحكومية للرد الرمزي في الأزمات الكبرى، فضلًا عن تقديم نماذج تشغيلية دقيقة، مثل بناء وحدات تحليلية في كل وزارة وهيئة حكومية، وتأسيس سجل موحد للمخاطر و»بروتوكولات اتصال»؛ لضمان الاستجابة المتسقة.
ومن المهم الإشارة إلى التجارب المُستعرضة في التقرير، والتي نجحت في ترسيخ سمعتها، وعملت على بناء بنية تحتية سردية داخل الجهات الحكومية. ففي نيوزيلندا، تم تعزيز قبول سياسات الإسكان من خلال فتح قواعد البيانات للرأي العام وإشراك المجتمعات المحلية في التخطيط، ما أنتج أثرًا اجتماعيًا مستقرًا ورفع مستوى الرضا العام عن الخدمة عبر الدمج بين المساءلة والشفافية وتفعيل قنوات التفاعل.
وفي سياقنا المحلي، تبدو أهمية هذا النوع من التقارير مضاعفة، لأن رؤية 2030 تسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الجهات الحكومية والمجتمع، فكل تأخر في الاستجابة أو تباين في الرسائل قد لا يُفهم كإجراء مؤسسي، بل يُترجم رمزيًا كاضطراب أو انكشاف. لذا، آن الأوان لتبني «السمعة» كأصل سيادي، يستحق التمويل، التحليل والقياس، وأن تُعامل باعتبارها أحد روافع السيادة المعنوية، تمامًا كما يتم التعامل مع الموانئ أو السياسات النقدية، وأي تردد في ذلك، قد يُكلّف المؤسسات أثمانًا باهظة، ليس فقط في ثقة المواطن، بل في قدرتها على تثبيت القرارات، التفاعل مع النقد والحفاظ على المصداقية.
إن استيعاب هذا المنظور -كما يشير التقرير- لا بُد أن يقودنا إلى مراجعة الطريقة التي تُصمم بها السياسات، يُقدَّم بها الخطاب ويُدار بها المشهد العام، لنبني صورة داخلية متماسكة وقصة وطنية تُروى باحتراف وتُفهم بمصداقية.