عايض بن خالد المطيري
حين أعلن الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- عام 1924م خطابه التاريخي لإرساء مبدأ الشورى في هذه الأرض، قال عبارته الحاسمة في مجلس الشورى «أريد الصراحة في القول لأن ثلاثة أكرههم، ولا أقبلهم، رجل كذاب يكذب علي عن تعمد، ورجل ذو هوى، ورجل متملق، فهؤلاء أبغض الناس عندي». لم يكن حديث المؤسس مجرد موقف شخصي، بل كان إعلانًا صريحًا لملامح نهجٍ سياسي يقوم على الصدق، ويؤسس لثقافة الشورى باعتبارها ركيزة للحكم الرشيد، بعيدًا عن التزييف والتملق.
اليوم، وبعد قرن من تلك اللحظة، نجد الامتداد الطبيعي لرؤية المؤسس حاضرًا في كل خطاب وقرار، كما جاء في الكلمة التي ألقاها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان نيابة عن خادم الحرمين الشريفين عند افتتاح أعمال السنة الثانية من الدورة التاسعة لمجلس الشورى. بين كلمات الأمس وكلمات اليوم تتضح خيوط متصلة تأسيس الدولة على مبادئ الشريعة، إعلاء قيمة العدل، وترسيخ مفهوم الشورى كمنهج لا كشعار.
المتابع لمضامين خطاب ولي العهد يلحظ أن الشورى لم تُجمد في سياقها التقليدي، بل أصبحت أداة رقابة ومراجعة ضمن مشروع وطني واسع لإعادة صياغة الاقتصاد والمجتمع. فحين يعلن أن الأنشطة غير النفطية بلغت 56 % من الناتج المحلي الإجمالي، وحين يكشف أن 660 شركة عالمية اختارت السعودية مقرًا إقليميًا، فهذا ليس مجرد عرض أرقام، بل تأكيد على أن مشروع التنمية السعودي لم يعد يكتفي بالشعارات، بل يمضي إلى الميدان بواقعية وجرأة.
القضية الأهم أن السعودية تتعامل اليوم مع تحديات جديدة لم يعرفها جيل المؤسس، لكن روح الصراحة التي دعا إليها حاضرة في مواجهة تلك التحديات. ملف الإسكان مثلًا، حين ترتفع أسعار العقار إلى مستويات تثقل كاهل المواطن، لا يتم تجاهل المشكلة أو تجميلها، بل تعلن الدولة صراحة أن الوضع غير مقبول، وتتحرك بسياسات عملية لإعادة التوازن. كذلك الحال في ملف التوطين العسكري، حيث ارتفعت النسبة من 2 % إلى 19 %، وهي أرقام تعكس إرادة سياسية في تحويل الشعارات إلى واقع ملموس.
إن الفرق بين حكم يكتفي بالوعود، وحكم يواجه الحقائق بلا مواربة، هو ذاته الفرق الذي عبّر عنه الملك عبدالعزيز في عبارته الشهيرة. فالدولة التي تكره الكذب والتملق، هي الدولة التي تُبقي الشورى حيّة، لا ترفًا بل التزامًا.
واليوم، حين يتحدث ولي العهد عن بناء مالية عامة قوية، وتنويع الاقتصاد، وتوفير فرص عمل، وتحقيق توازن اجتماعي عبر تحسين جودة الحياة، فإنه يستدعي جوهر ما بدأه المؤسس حكم يستند إلى الصراحة في القول والفعل، وإلى الشورى كأداة للمراجعة والتقويم.
إن ما يجمع بين لحظة التأسيس وبوصلة الحاضر هو خيط متين لا ينقطع؛ خيط الشورى والصدق والعدل. تلك المبادئ التي رفع لواءها الملك عبدالعزيز قبل قرن، نجدها اليوم نابضة في رؤية السعودية الحديثة.
والرسالة الأبلغ أن الاستمرارية ليست مجرد حفظ للتاريخ، بل هي امتداد حي يثبت أن الدولة ماضية على نفس النهج، تحمل قيم المؤسس وتترجمها إلى واقع متجدد يليق بالحاضر ويستشرف المستقبل.