عبدالعزيز بن عليان العنيزان
العولمة وما انبثق عنها من مفاهيم مثل حوار الحضارات والتجارة الحرة والاندماج الاقتصادي والتبادل الثقافي، تمخضت عن توجهات سادت المشهد السياسي العالمي مع نهاية الحرب الباردة واعتلاء الرأسمالية الليبرالية للنظام الدولي، وزاد انتشارها بين المجتمعات بسرعة هائلة فور دخول الألفية الميلادية الثالثة.
في ظاهرها تدعو إلى الوحدة والتسامح والتعايش والتعاون بين مختلف الأمم البشرية نتيجة لتطور عناصر جوهرية في الحضارة الإنسانية المعاصرة. لكن في باطنها آثار سلبية انعكست على أغلبية المجتمعات؛ بسبب أن مفاهيمها المؤدلجة حملت التباين المعهود في ممارسات القوى الكبرى عند تنفيذ سياساتها الخارجية. فالمقصد هنا أن الداعم الرئيس لهذه الأيديولوجيات هو من كان يحشد الجيوش ويبادر بالحروب ويقتل المدنيين العُزَّل.
فبعد مضي خمس وعشرين سنة من دخول هذه الحقبة الزمنية من التاريخ السياسي الحديث والتي بالأرقام تعتبر قصيرة جداً في التسلسل الحضاري، إلا أن سجلاتها وثَّقت عدداً كبيراً من المآسي والأزمات الإنسانية، ما يبرهن على أن المفاهيم الكونية وتوجهاتها هي عبارة عن مصالح لقوى معينة تبتغي منها التحكم والسيطرة على النسق الدولي بأية طرق وأساليب تسخر لنيل هذه الغاية الثمينة.
وفي ذات الموضوع نظراً لطبيعة البيئة الدولية القائمة على التعارض في المصالح والخلاف في المواقف، والتي يصعب معها إرساء دعائم السلام والاستقرار والازدهار بشكل مطلق، وكذلك تزامنها مع حدوث حالة من الإدراك للقوى السياسية المعارضة في دول مختلفة، بضرورة نشر الوعي الشعبي لمساوئ تلك المفاهيم العالمية على مجتمعاتها المحلية ودمجها مع مصالحها السياسية سعياً منها لتوسيع قاعدتها الانتخابية واستقطاب المزيد من أصوات الناخبين.
فقد نمت حركات وطنية تطالب بإعادة تشكيل أولويات السياسة الخارجية لكي تتوافق مع المصلحة الوطنية باعتبارها هي الأولوية القصوى لتحقيق والنمو والرفاه للمجتمع، والسير في الاتجاه الصحيح للمحافظة على النظام القائم للدولة.
وقد لاقت هذه التطورات قبولاً شعبياً واسعاً خصوصاً في المجتمعات التي تأثرت بالهجرات غير الشرعية والموجات المتتالية من النازحين وطالبي اللجوء؛ فأصبحت القوى المعارضة في أوروبا تقايض على هذه الملفات في حملاتها الانتخابية سواء البرلمانية أم الرئاسية. في الجانب الآخر هناك مجتمعات تأثرت من المنازعات السياسية والحروب بالوكالة والأزمات الاقتصادية، أدت بشكل أو بآخر إلى تفاقم أزمتي الفقر والبطالة. وانعكاساً لها ظهرت ردود فعل تتصف بالحراك الاجتماعي تدعو إلى تبني السياسات الشعبوية لإعادة ترتيب الأوضاع الداخلية في بلدانها.
الجدير بالذكر هنا أن الشعبوية ليست ظاهرة سياسية حديثة لوجود وقائع تاريخية استخدمت فيها الشعبوية في القرون الماضية، بصفتها أداة معبرة عن الوحدة الوطنية وشرعية مطلقة للدولة في تنفيذ سياستها الخارجية. وتتسم الشعبوية بسهولة تجانسها مع مختلف أشكال وأيديولوجيات الأحزاب السياسية، أي باستطاعة كل من الأحزاب اليمينية واليسارية إعلان الشعبوية مرجعيتها الرئيسية في آن واحد.
بعبارة أخرى أنه ليس بالشيء المستغرب أن يكون مصطلح رهاب أو كراهية الأجانب موجوداً في البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية في وقتنا الراهن، كونها تلامس مواضيع مجتمعية حساسة تجعل الكثير من فئاته يتشاركون في رؤية موحدة، وأيضاً لتمكين هذه الأحزاب من إقناع موالييها بأنهم هم الأولوية الثابتة في أجندتها السياسية. لكن في المقابل هناك مخاوف من صعود الشعبوية المتنامي وما سينتج عنه في المستقبل لعدة اعتبارات أهمها توطّيد التباغض البشري والتباعد بين الشعوب.
خلاصة القول إن العولمة حققت مرادها من نشر مبادئها وأفكارها في أكبر عدد ممكن من المجتمعات البشرية، ولا تزال تقوم بنفس الدور لكن بصور وأشكال أكثر مواكبة للتطورات العصرية. نمو الشعبوية بشكل ملحوظ في غضون السنوات القليلة ليس فقط نتيجة لتفاقم مثالب العولمة، بل وسيلة تلجأ إليها النخب السياسية في الظروف والأوقات الصعبة لسهولة تماشيها مع الغايات الشعبية ومطالبها. بالإضافة إلى أنها تخلق حالة من الانسجام السياسي بين تلك النخب وأغلبية الشعب المهمشة وتبعد أية تيارات سياسية منافسة لها من كسب الرأي العام الشعبي.