د.عبدالرحيم محمود جاموس
رغم عامين من العدوان الإسرائيلي والدمار الشامل، تخرج غزة من تحت الركام لتعيد بناء الحياة وتؤكد أن الصمود أقوى من الموت.
بعد عامين من حربٍ طاحنة أحرقت الأخضر واليابس في قطاع غزة، وبعد أن سُوِّيت أحياءٌ ومدنٌ بالأرض وتحولت البيوت إلى قبورٍ وسجون، تقف غزة اليوم شاهدة على معجزة الحياة من قلب المأساة، لتثبت أن روحها لا تقهر، وأنها، رغم كل ما جرى، باقية ما بقي الإيمان بعدالة قضيتها.
انتهت الحرب، لكن النار لم تُطفئ ذاكرة المكان، ولم تمح الوجع من الوجدان، فعلى مدى عامين من العدوان الإسرائيلي الهمجي، عاش قطاع غزة فصولاً من الإبادة والدمار الشامل، إذ تجاوزت مساحة الخراب الثمانين في المئة من أرضه، وسويت مدن وأحياء بالأرض، وقتل وجرح وأعطب أكثر من ثلاثمائة ألف مدني، ومُحيت آلاف الأسر من السجل المدني، وتعرض السكان لنزوحٍ وتهجيرٍ متكررٍ ودمارٍ لمنازلهم وملاجئهم.
ومع ذلك، بقيت غزة: بقيت لأنها تؤمن أن الحياة إرادة، وأن جذوة الصمود لا تنطفئ ما دام في القلب نبض وفي العين ضوء. خرجت من أتون الحرب كما تخرج العنقاء من الرماد، تلملم جراحها بصمتٍ عنيد، وتعيد نسيج حياتها من جديد.
في الأسواق عادت الحركة، وفي المدارس ارتفع صوت الأطفال بالضحك والقراءة، وعلى أنقاض البيوت نبت الأمل والورد.
فغزة التي لم تنكسر أمام النار والحديد، لن تُهزم أمام الفقر والخراب. اليوم، تقف غزة على أعتاب مرحلة جديدة بين أنقاض الماضي وآمال الغد، ترمم جراحها بيدٍ وتزرع بيدٍ أخرى بذور الحياة، لتعود المستشفيات المهدّمة للعمل، والمدارس المؤقتة تتحول إلى منارات علم، والمبادرات الأهلية تتكاثر لتسد ثغرات الخراب وتعيد الروح إلى مجتمعٍ أنهكته المأساة لكنه أبى الاستسلام. ومع ذلك، تمضي غزة لتصنع مستقبلها بعرقها وصبرها، مستندة إلى وعي أبنائها وإيمانها بعدالة قضيتها.
إنها تُعيد صياغة الحياة من رماد الموت، وتفتح نوافذها لرياح الأمل، وتقول للعالم أجمع: «هنا كانت الحرب.. وهنا تبدأ الحياة.»
غزة التي أرادوا محوها، عادت لتكون رمزًا للكرامة، وعنوانًا للثبات، وصوتًا لمن لا صوت له.
لقد انتهت الحرب، نعم.
لكن بقيت غزة، كما عهدناها، تقاوم بالحب، وتبني بالدم، وتنهض لتقول بثباتٍ مؤمنٍ:
لن يُمحى وجهُ فلسطين من الوجود.
ما دامت غزة تنبض بالحياة.