غسان برنجي
في زمن التحولات الوطنية الكبرى ورؤية السعودية 2030، أصبح الموظف السعودي لاعبًا رئيسيًا في صناعة المستقبل. لم يعد دوره يقتصر على تنفيذ التعليمات أو متابعة الروتين، بل بات يحمل طموحًا شخصيًا يتجاوز حدود مكتبه، ويبحث عن الإبداع والمبادرة وإثبات الذات. وفي المقابل، تواجه المؤسسات تحديًا إستراتيجيًا: كيف يمكنها أن توازن بين هذا الطموح الفردي وبين تحقيق أهدافها وخططها التنظيمية طويلة المدى؟
هذه المعادلة - بين الفرد والمؤسسة - هي الامتحان الحقيقي لنجاح بيئة العمل في السعودية اليوم.
- الموظف السعودي اليوم يعيش مرحلة غير مسبوقة من الانفتاح على فرص التطوير المهني والتعليم المستمر.
- برامج الابتعاث، التدريب الداخلي والخارجي، ومبادرات التمكين كلها غذّت لدى الأفراد شعورًا بأن سقف الطموح مفتوح.
- كثير من الموظفين لا يرون أنفسهم مجرد «موظفين»، بل «شركاء» في مسيرة المؤسسة.
لكن هذا الطموح قد يتحول إلى عبء إذا لم يُوجَّه بشكل صحيح داخل الإطار المؤسسي.
وعلى كل مؤسسة أن تحدد أهدافها لتكون البوصلة التي تحدد الاتجاه، وكل مؤسسة سواء حكومية أو خاصة، تعمل وفق خطط وإستراتيجيات مرتبطة بمؤشرات أداء وميزانيات ومواعيد محددة، وأن الالتزام بهذه الأهداف ليس خيارًا، بل هو واجب يحفظ كيان المؤسسة ويضمن استدامتها، ويكمن الخطر عندما يتصادم الطموح الفردي مع أولويات المؤسسة، كأن يسعى موظف للتميز الفردي على حساب العمل الجماعي.
على أن القائد الناجح هو من يحول طموح الموظف إلى قيمة مضافة لخطط المؤسسة. ويمنح الموظف مساحة للإبداع، ويضع حدودًا واضحة حتى لا يخرج الطموح عن المسار، ويشجع على المبادرات التي تخدم الرؤية المؤسسية.
على أن المؤسسات بحاجة إلى لوائح مرنة تربط بين الإنجاز الفردي والأهداف الجماعية.
- الحوافز يجب أن ترتبط بتحقيق أهداف الفريق لا الفرد فقط.
- التقييم السنوي ينبغي أن يشمل الإبداع والمبادرات، لكن في إطار خدمة الخطط المؤسسية.
مع العلم بأن الثقافة المؤسسية هي الحاضن الحقيقي للتوازن، وعندما يشعر الموظف أن نجاحه الشخصي ينعكس مباشرة على نجاح المؤسسة، ستتلاشى الصراعات.
- الشفافية في التواصل والوضوح في الأهداف يزيلان كثيرًا من سوء الفهم.
ومن أمثلة الواقع السعودي:
- وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية: تبنت برامج التحول الوظيفي التي تتيح للموظفين مسارات متعددة للنمو، وفي الوقت نفسه تخدم خطط التوطين وسوق العمل.
- وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات: شجعت الابتكار عبر مسرعات الأعمال ومبادرات التحول الرقمي، وربطت ذلك مباشرة بمؤشرات وطنية ضمن رؤية 2030 .
- القطاع الخاص: كثير من الشركات الكبرى مثل أرامكو وسابك وفرت بيئات عمل تحتضن طموح الموظف لكنها لا تسمح بخروجه عن إستراتيجيات الشركة.
ومن التحديات القائمة:
- الخلط بين الطموح الفردي وبين «الاستعراض الشخصي» عبر وسائل التواصل.
- ضعف بعض القيادات في إدارة الطاقات الشابة وتحويلها إلى فرص.
- الحاجة إلى أنظمة أكثر مرونة تعترف بالإبداع دون أن تفرط في الانضباط المؤسسي.
وللتذكير فإن الموظف السعودي اليوم يقف بين طموح لا حدود له، وأهداف مؤسسية دقيقة لا تحتمل العشوائية. التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على الدمج بين الاثنين: أن تتحول طاقات الأفراد إلى وقود لتحقيق خطط المؤسسات، وأن تصبح المؤسسات حاضنة لطموح موظفيها بدلاً من أن تكون عائقًا أمامه.
في النهاية، نجاح الرؤية الوطنية 2030 لن يُقاس فقط بالمشاريع والميزانيات، بل بمدى قدرتنا على صناعة بيئة عمل تجعل من الموظف السعودي شريكًا أصيلاً في المسيرة، لا مجرد ترس في آلة كبيرة.